آدم الحاج | على تخوم التغيير | : قوى الهامش بين عدالة القضية وخطر الانقسام - صوت الوحدة

آدم الحاج | على تخوم التغيير | : قوى الهامش بين عدالة القضية وخطر الانقسام

هل تعبر سفينة التغيير أم تغرق في صراعاتها الداخلية؟

ليس أخطر على قوى الهامش في السودان من أن تتحول عدالة قضاياها إلى وقود لصراعات داخلية، وأن يصبح السلاح – الذي رُفع يوماً دفاعاً عن الحقوق – أداةً لإعادة إنتاج التهميش بأسماء جديدة. فبين تراكم الاحتقان القبلي والإثني، وتشظي التحالفات العسكرية، تقف قوى الهامش اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما مشروع تغيير وطني جامع، أو الغرق في دوامة الانقسام الذاتي.

جذور الأزمة: حين تُسيَّس الهوية

لم تكن الانقسامات القبلية والإثنية داخل الهامش وليدة اللحظة، بل هي نتاج تاريخ طويل من الإقصاء وسياسات الدولة المركزية التي غذّت الانتماءات الأولية على حساب المواطنة. ومع شُحّ الموارد وغياب التنمية، تحوّل الصراع من مطالب سياسية عادلة إلى تنافس هويّاتي، تُستدعى فيه الذاكرة الجريحة لتبرير العنف، لا لمعالجته.

لقد أسهمت النخب الحاكمة، عبر عقود، في إعادة إنتاج هذا الواقع، حين استخدمت القبيلة كأداة حكم، لا كفضاء اجتماعي، فتم تفكيك الانتماء الوطني لصالح ولاءات ضيقة، سرعان ما انفجرت في شكل صراعات دامية داخل الهامش نفسه.

التحالفات العسكرية: من الضرورة إلى المأزق

لا يمكن إنكار أن العمل المسلح جاء، في لحظة تاريخية محددة، كخيار اضطراري في مواجهة دولة مغلقة الأفق. لكن المأزق الحقيقي بدأ حين تحولت التحالفات العسكرية إلى تحالفات ظرفية بلا مشروع سياسي، قائمة على العداء المشترك، لا على رؤية مشتركة لبناء الدولة.

ومع مرور الوقت، غلب منطق القوة على منطق السياسة، وأصبح السلاح وسيلة للتموضع التفاوضي، لا أداة لتحقيق العدالة. والأسوأ من ذلك، ارتهان بعض هذه التحالفات لأجندات إقليمية ودولية، ما أفقد قوى الهامش استقلال قرارها، وحوّل قضاياها العادلة إلى أوراق ضغط في صراعات لا علاقة لها بجذور الأزمة السودانية.

الأزمة الاجتماعية: التصدع الصامت

في العمق، تعاني مجتمعات الهامش من تصدع اجتماعي خطير. فقد أدت التعبئة القبلية المستمرة إلى تآكل الثقة بين المكونات المحلية، وتمزيق النسيج الاجتماعي، في ظل غياب مشروع مدني جامع قادر على استيعاب التنوع وتحويله إلى قوة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: الهامش الذي ناضل ضد الإقصاء التاريخي، بات يُقصي بعضه بعضاً، ويعيد إنتاج ذات المنظومات التي ثار عليها.

ما العمل؟ أسئلة لا تحتمل التأجيل

الخروج من هذا المأزق لا يكون بالشعارات، بل بخيارات شجاعة. أولها إعادة تعريف القضية من صراع هويات إلى معركة من أجل المواطنة المتساوية والعدالة الشاملة. فلا قبيلة، مهما بلغ حجم مظلوميتها، قادرة على بناء دولة، ولا بندقية قادرة على إنتاج عقد اجتماعي.

ثانيها، فصل العسكري عن السياسي، بوصفه شرطاً لازماً لأي تحول مدني حقيقي. فالسلاح يجب أن يخضع لرؤية سياسية واضحة، لا أن يتحول إلى أداة لاحتجاز القرار الوطني.

وثالثها، بناء تحالف اجتماعي عابر للهويات، يقوم على مصالحة مجتمعية حقيقية، واعتراف صريح بالانتهاكات، وإشراك فعلي للنساء والشباب كقوى تغيير، لا كوقود لصراعات النخب.

الخلاصة: مفترق تاريخي

إن أخطر ما يواجه قوى الهامش اليوم ليس خصومها التقليديين، بل خطر التحول من ضحية للتهميش إلى شريك في إعادة إنتاجه. فالتاريخ لا يكافئ عدالة القضايا وحدها، بل يكافئ من يحسن إدارتها، ويحوّل الألم إلى وعي، والتنوع إلى مشروع وطني جامع.

وحدها هذه الرؤية قادرة على عبور بسفينة التغيير وسط هذا البحر المتلاطم. أما الاستمرار في الانقسام، فلن يقود إلا إلى إعادة تدوير المأساة… بأيدٍ جديدة

إرسال التعليق

لقد فاتك