بولس كون : حين يقاتل الهامش دفاعًا عن المركز قراءة نقدية في تحالف بعض الحركات المسلحة مع الدولة القديمة
ليست كل البنادق متساوية في معناها السياسي، ولا كل الاصطفافات العسكرية قابلة للتبرير باسم “المرحلة” أو “الواقعية”.
ففي الحرب السودانية الجارية، يبرز مشهد بالغ الخطورة: حركات مسلحة نشأت من رحم التهميش التاريخي، ورفعت شعارات تفكيك دولة المركز، اختارت أن تقاتل اليوم إلى جانب القوات المسلحة بوصفها التعبير الأوضح عن الدولة القديمة وبنيتها الإسلاموعروبية.
هذا الخيار لا يمكن التعامل معه كتكتيك عابر، ولا كخطأ تقدير مؤقت، بل ينبغي قراءته بوصفه تحولًا بنيويًا في وظيفة السلاح ومعناه السياسي.
من خطاب التحرير إلى حماية الدولة القديمة
القوات المسلحة السودانية ليست مؤسسة محايدة في تاريخ الصراع الوطني.
هي، في بنيتها ووظيفتها، جزء أصيل من:
إعادة إنتاج السلطة المركزية
حماية الانقلابات
عسكرة السياسة
وتكريس نموذج دولة أقصى الأقاليم، واحتكر تعريف الهوية والمواطنة
حين تختار حركات مسلحة، تأسست على نقد هذه البنية، أن تقاتل دفاعًا عنها، فإن السؤال لا يعود: مع من تقاتل؟
بل: لماذا تخلّت عن المعنى الذي حملت السلاح من أجله أصلًا؟
التبعية ليست تحالفًا
التحالف السياسي يفترض الندية، وتبادل المصالح، ووضوح المشروع.
أما ما نشهده اليوم، فهو علاقة تبعية:
قيادة مركزية تُحدِّد الأهداف
خطاب رسمي يُستعار بلا مراجعة
ومعارك تُخاض لحماية دولة لم تُعاد صياغتها، ولم تُخضع لمساءلة تاريخية
هذه الحركات لا تقاتل بوصفها شريكًا في مشروع جديد،
بل بوصفها قوة مُلحقة داخل منظومة لم تسمح لها يومًا بتغيير قواعدها.
وهنا يفقد السلاح:
مضمونه التحرري
وشرعيته الأخلاقية
وأفقه السياسي
وهم الواقعية السياسية
يُقدَّم هذا الخيار أحيانًا بوصفه:
“اختيار أخف الضررين”
“مواجهة خطر أكبر”
“واقعية سياسية تفرضها اللحظة”
لكن الواقعية التي تنتهي إلى حماية بنية القهر نفسها ليست واقعية، بل إعادة تموضع داخل النظام القديم.
التجربة السودانية، وتجارب الإقليم من حولنا، تُظهر بوضوح:
أن المركز يستخدم قوى الهامش عند الحاجة
ثم يعيد إقصاءها أو تفكيكها بعد انتهاء الدور
من يراهن على غير ذلك، يتجاهل التاريخ، أو يراهن على موقع مؤقت في معادلة لا يملك مفاتيحها.
المظلومية حين تُفرَّغ من معناها
أخطر نتائج هذا الاصطفاف هو تفريغ المظلومية من مضمونها الأخلاقي.
حين تُقاتل حركة مسلحة باسم:
العدالة
وإنهاء التهميش
وبناء دولة جديدة
ثم تصطف مع مؤسسة:
لم تُحاسَب على جرائمها
ولم تُفكَّك بنيتها
ولم تُخضع لسلطة مدنية
فإنها لا تخون خصومها السياسيين فقط،
بل تخون سرديتها، وذاكرة ضحاياها، والأساس الذي شرّع وجودها.
الهامش كاحتياطي بشري للحروب
ما يحدث اليوم ليس استثناءً، بل إعادة إنتاج لدور تاريخي مألوف: الهامش كمخزون بشري للقتال،
والمركز كمالك للقرار والشرعية.
يُستدعى أبناء الأقاليم:
في لحظة الخطر
عند اشتداد المعارك
حين تحتاج الدولة القديمة لمن يحارب نيابة عنها
ثم يُعادون إلى الهامش:
بلا سلطة
بلا ضمانات
وبلا حق في تعريف مستقبل الدولة
السؤال الذي لا يمكن تجاوزه
ما الذي تغيّر فعليًا في الدولة التي تُقاتَل دفاعًا عنها؟
هل أُعيد تعريف المواطنة؟
هل فُكِّكت بنية المركز؟
هل خضعت المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية؟
هل سقطت الأيديولوجيا الإقصائية؟
إن لم يحدث شيء من ذلك،
فبأي منطق يُقدَّم هذا القتال بوصفه “نضالًا”؟
خلاصة
السلاح الذي لا يخضع لمشروع سياسي مدني واضح،
ولا يستهدف تفكيك الدولة القديمة،
ولا ينحاز للمدنيين،
ولا يمنع إعادة إنتاج المركز…
هو سلاح يعمل ضد القضية التي رُفع باسمها.
والحركات المسلحة التي اختارت أن تكون جزءًا من آلة الدولة التي ثارت عليها،
لن تُقرأ في تاريخ الهامش كقوى تحرير،
بل كقوى أُعيد توظيفها داخل نظام لم يتغير.
الهامش لا يحتاج إلى بنادق تحرس المركز،
بل إلى مشروع شجاع يقطع مع الدولة القديمة،
ولا يساوم على الدم،
ولا يبيع المظلومية مقابل موقع مؤقت في حرب لا تملك أفقًا وطنيًا.


إرسال التعليق