عمار سعيد : حين تلتقي العروش على أنقاض الشعوب: من الباب العالي إلى قصر النيل… تحالف البراغماتية ضد حلم السودان - صوت الوحدة

عمار سعيد : حين تلتقي العروش على أنقاض الشعوب: من الباب العالي إلى قصر النيل… تحالف البراغماتية ضد حلم السودان

ليس لقاء رجب طيب أردوغان بعبد الفتاح السيسي حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا مشهدًا دبلوماسيًا يمكن قراءته بمنطق المصافحات والابتسامات أمام الكاميرات. إنّه ـ في جوهره ـ لحظة كاشفة لمسارٍ إقليميٍ طويل، أعاد ترتيب الخصومات، ودفن الشعارات، ورفع راية واحدة فقط: راية المصلحة المجردة من القيم.

لقد بدت الصورة وكأن التاريخ يطلّ من نافذة الحاضر؛ لا ليستعيد أمجاده، بل ليذكّرنا بأن الصراعات حين تُدار بمنطق الهيمنة لا تموت، وإنما تغيّر أقنعتها. فبين الباب العالي في الأستانة وقصر النيل في القاهرة، يعود سؤال النفوذ القديم في ثوب براغماتي جديد، حيث لا مكان للثورات، ولا اعتبار للشعوب، إذا تعارضت أحلامها مع حسابات السلطة.

من رابعة إلى الخرطوم: سقوط القطيعة وصعود المصالح

بعد قطيعة حادة أعقبت انقلاب الثالث من يوليو 2013 وتداعيات ميدان رابعة، ظنّ كثيرون أن الجرح السياسي بين أنقرة والقاهرة عصيٌّ على الالتئام. لكنّ التجربة التاريخية تُعلّمنا أن الدم في السياسة يُغسل بالمصالح، وأن المبادئ ـ عند أول اختبار جدي ـ تتحوّل إلى أوراق تفاوض.

اليوم، لم تعد الخلافات الأيديولوجية عائقًا. سقطت لغة الإدانة، وحلّ محلها تنسيق أمني وعسكري صريح أو مستتر، ضمن تحالف إقليمي يضم خمس دول، اجتمعت لا على مشروع سلام، بل على إدارة حرب: دعمٌ بالسلاح، تمويلٌ، غطاءٌ سياسي وإعلامي، وشرعنة مفتوحة لاستمرار القتال في السودان، تحت لافتة “حماية الدولة” و“منع الفوضى”.

وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحًا:
تحالفٌ يقف نهارًا جهارًا إلى جانب جيش البرهان وكتائبه المتطرفة، ويصطف ضد قوات الدعم السريع، لا بدافع الحرص على السودان، بل خوفًا من أن ينجح نموذج خارج السيطرة التقليدية.

السودان… الجائزة المؤجلة في سوق التحالفات

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان رهانًا طويل النفس في حسابات هذه القوى. أُطلقت شرارتها على أمل حسمٍ سريع: ساعات، أيام، أسابيع على أقصى تقدير. لكنّ الحرب ـ كعادتها ـ خانت مخططيها، وتجاوزت الألف يوم، كاشفة خواء الرهان، وعجز القوة عن إخضاع الجغرافيا والإرادة معًا.

في هذا السياق، يصبح السودان ساحة اختبار لا دولة ذات سيادة:
• اقتصادٌ يُعاد تقسيمه.
• قرارٌ سياسي يُدار من الخارج.
• وإرادة شعب يُراد لها أن تُكسر، ولو “هلك ثلثاه”، ما دام “التاج المصري” حاضرًا، والوصاية الإقليمية مضمونة.

وهنا تلتقي المصالح:
اقتصاديًا، حيث الموارد.
أيديولوجيًا، حيث الخوف من أي نموذج غير خاضع.
استراتيجيًا، حيث الموقع، والحدود، والمياه، والموانئ.

حين يُعاد المارد إلى قمقمه

ظنّوا أن بإمكانهم إعادة المارد إلى قمقمه، بعد أن خرجت الجماهير تطالب بالحرية والكرامة والسيادة الوطنية. لكنّ التاريخ لا يعود القهقرى بسهولة، ولو بدا أحيانًا أنه يفعل.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
(إبراهيم: 42)

وفي الأدب العربي، يذكّرنا أبو الطيب المتنبي بأن منطق القوة الأعمى لا يصنع دولة ولا تاريخًا:

ومن يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ

أما كتب التاريخ، فتفيض بالأمثلة: كل تحالف بُني على سحق الشعوب انتهى إمّا بانهيار داخلي، أو بانقلاب الحلفاء بعضهم على بعض. فالدول التي تُدير الحروب بالوكالة، غالبًا ما تُفاجأ بأن النار تمتد إلى أطرافها.

البراغماتية بلا أخلاق… طريق مسدود

لقاء رجب طيب أردوغان وعبد الفتاح السيسي ليس عودة للتاريخ بقدر ما هو إنكار لدرسه الأكبر:
أن الاستقرار الذي يُبنى على جماجم الشعوب وهمٌ مؤقت،
وأن السودان، مهما طال نزيفه، ليس تابعًا ولا غنيمة.

قد تتلاقى العروش اليوم ضد حلم السودانيين،
لكنّ الأحلام التي تُولد من الألم لا تُهزم بسهولة،
والشعوب ـ كما قال ابن خلدون ـ إذا طال عليها القهر، انقلبت من الصبر إلى الانفجار.

وهنا، لا الباب العالي سينقذ التحالف،
ولا قصر النيل سيحمي رهانه،
إذا قرر السودان أن يكتب فصله القادم بيده، لا بأقلام الآخرين.

إرسال التعليق

لقد فاتك