محمد ضياء الدين : خطة سلام الرباعية وإختبار الإرادة الوطنية
سبق أن تناولت في مقالات عديدة، العلاقة الوثيقة والمعقدة بين الموقف الوطني الداعي إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام وإستعادة المسار المدني الديمقراطي، وبين إشتراطات المجتمع الدولي لتحقيق ذلك، حيث أشرتُ صراحة إلى فرضية أن الدعم الخارجي ينبغي أن يكون ظهيراً يساند رؤية الداخل السوداني وليس بديلاً عنها. هذا التوازن المطلوب وحده الكفيل بضمان تحقيق السلام المستدام. ومع إعلان المبعوث الأمريكي مسعد بولس التوصل إلى خطة سلام شاملة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، مع الإشارة الصريحة إلى موافقة أطراف الحرب على الخطة، يبقى التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة: أي سلام نريد؟! وتحت أي سقف سيادي سينفذ هذا السلام؟
صحيح أن تفاصيل الخطة الكاملة لم تُعلن بعد، لكن بالنظر إلى الرؤية الأمريكية المُعلنة لمعالجة الأزمة، والتي يمكن إستقراء خطوطها العامة من مبادرة الرباعية التي بدت منسجمة في ظاهرها مع رؤية القوى السياسية والمدنية الديمقراطية، وهو ما أكسبها قبولاً واسعاً لدى قطاعات عريضة من الشعب المنهك بالحرب. غير أن هذا القبول لا ينبغي أن يُعمي الأبصار عن حقيقة أن “سلاماً” بهذه المواصفات الأمريكية الجاهزة لن يوقف الحرب فحسب، بل سيؤسس لواقع سياسي جديد -وهنا مربط الفرس- واقع قد يكون غير مسبوق في تاريخ حركة التطور الوطني في بلادنا، واقع قد يمس وحدة البلاد وسيادتها واستقلال قرارها إذا لم تُحسن القوى الوطنية الحية التقاط اللحظة وإدارة المرحلة بوعي يتجاوز مجرد الرغبة في وقف الحرب، رغم أهمية وضرورة ذلك.
إن “الخطة الأمريكية” إن مضت كما يُتوقَّع ستضع السودان في بؤرة الاهتمام الأمريكي المباشر، بوصفه نقطة إرتكاز إستراتيجية لتحجيم نفوذ قوى دولية وإقليمية متصارعة على المنطقة، وخاصة على ساحل البحر الأحمر والقرن الأفريقي. هذا البعد الجيوسياسي سيكون المحرك الأساسي في تصميم أي تسوية قادمة، فالسودان بموقعه وثقله “المنسي عمداً” قد يتحول من ساحة حرب داخلية إلى مسرح توازنات دولية كبرى، مما قد يرفع درجة المخاطر على المرتكزات والثوابت الوطنية الأساسية إن لم تُصغ الترتيبات بعين وطنية يقظة وواعية.
جدير بالذكر الإشارة إلى أن هذه القراءة لا تقوم على التوجس بنظرية المؤامرة، وإنما هي قراءة لازمة لموازين القوى، حتى لا يُؤخذ السودان على حين غرة بترتيبات تفرضها المصالح الدولية المتقاطعة على حساب المصالح الوطنية العليا.
مما لا شك فيه، أنه إذا نجحت الولايات المتحدة في إيداع الاتفاق لدى مجلس الأمن وتمريره دون “فيتو” يعترضه، فسيحصل الاتفاق على شرعية دولية ملزمة قانوناً وواجبة النفاذ، وأي طرف يعرقل تنفيذه سيواجه بعقوبات دولية صارمة وربما ما هو أبعد من ذلك.
عليه ننبّه لخطورة أن يتحول “السلام” إلى منظومة إلزام أممي بإشراف “أنجلو-أمريكي” مباشر، بعد أن تتراجع أطراف الرباعية الأخرى للقيام بأدوار ثانوية، ليكتمل بذلك وضع البلاد تحت الوصاية والارتهان.
ويلاحظ من خلال القراءة الأولية، أن المشروع الأمريكي هذه المرة جاء أكثر اكتمالاً من محاولات سابقة، فحالة الكتمان اللافتة من أطراف الحرب، وغياب التصريحات المعتادة في مواجهة ما أعلنه بولس، كلها مؤشرات على أن الترتيبات قد تجاوزت مرحلة “جس النبض” إلى مرحلة الصياغة النهائية. نتيجة لذلك، جاء إنعقاد مؤتمر الدعم الإنساني بالتزامن لإعداد مسرح الانتقال السياسي والاقتصادي تحت مظلة دولية قد تكون “ملغومة” بالتبعات.
الثابت أن لا خلاف على أن السودانيين يتوقون بصدق إلى وقف الحرب اليوم قبل الغد، لكن هذا التوق المشروع لا يلغي مشروعية القلق من أن يتحول السلام إلى “حصان طروادة” وبوابة لوصاية ممتدة. المطلوب اليوم ليس رفض السلام أو التشكيك في إنهاء الحرب، أو رفض الدعم الدولي لطي هذه الصفحة الأليمة، المطلوب أولاً إعادة تعريف السلام بمرجعية وطنية واضحة، سلام يحفظ سيادة البلاد ويصون وحدتها واستقلالها سلام يمنع تفكيك القرار الوطني، ويضمن أن يكون الدعم الدولي سنداً لا وصياً.
إن الأيام القادمة ستمثل إختباراً حقيقياً لقدرة الشعب السوداني وقواه الوطنية والديمقراطية الحية على توحيد الصف وصياغة رؤية وطنية واعية تُحصّن البلاد من الانزلاق إلى ترتيبات “معلبة” تُجهّز وتُدار من وراء البحار. فإما أن يكون السلام مدخلاً لاستعادة الدولة السودانية، أو يتحول إلى إطار قانوني أممي جديد لتقييد البلاد وتفكيك إرادتها.
الفيصل في ذلك ليس فيما يُكتب في النصوص ولا في “النوايا الطيبة” للمجتمع الدولي، الفيصل هو ما تفرضه الإرادة الوطنية على طريق التمسك بالثوابت الوطنية وتصحيح مسار التحول المدني الديمقراطي نحو دولة سودانية موحدة كاملة السيادة، تنجز مهام الانتقال وصولاً إلى إنتخابات حرة نزيهة تأتي بممثلي الشعب السوداني لسدة الحكم وإدارة السلطة المدنية الديمقراطية.



إرسال التعليق