عبد الولي الصديق : رؤية استراتيجية في مصير قضية البادية الجنوبية وسبل تحقيق الاستقرار في المنطقه - صوت الوحدة

عبد الولي الصديق : رؤية استراتيجية في مصير قضية البادية الجنوبية وسبل تحقيق الاستقرار في المنطقه

مقدمة: جذور الأزمة وتراكمات التهميش*

إن قضية مجتمعات البادية الجنوبية تمثل ملفًا وطنيًا ذو أبعاد تاريخية واجتماعية وأمنية معقدة هذه المجتمعات التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من النسيج السوداني عاشت لعقود طويلة على هامش اهتمام الدولة، حيث اعتمدت على الرعي والزراعة التقليدية كنمط حياة أساسي لهم قبل انفصال الجنوب كان وجودهم يمتد عبر مساحات شاسعة في السودان القديم وبعده واجه العائدون منهم تحديات جسيمة في الاندماج والاستقرار في ولاية سنار وإقليم النيل الأزرق و النيل الأبيض لقد تعاملت الحكومات المتعاقبة مع ملفهم بقدر كبير من الإهمال مما أدى إلى غياب شبه كامل للخدمات الأساسية في مناطقهم وهو ما أجبرهم على الدخول في صراعات متكررة مع السلطات المحلية للحصول على أبسط الحقوق، دون أن يُترجم ذلك إلى حلول جذرية

أولاً: الانقسام المجتمعي في ظل الحرب وتداعياته*

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 وجدت مجتمعات البادية الجنوبية نفسها كغيرها من مكونات الشعب السوداني في خضم استقطاب حاد انضمام أفراد من أبنائها إلى مليشيا الدعم السريع بمبررات ودوافع مختلفة لا يعكس موقفًا جماعيًا بقدر ما هو انعكاس للانقسامات التي ضربت البلاد بأسرها
في المقابل ومن منطلق مواقفهم التاريخي للدولة سارعت الغالبية العظمى من هذه المجتمعات إلى دعم القوات المسلحة السودانية وهو دعم يمثل امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من المساندة والوقوف إلى جانب مؤسسات الدولة منذ أول تمرد شهدته البلاد. إن تشكيل كتائب مثل “كتيبة عبد الله جماع الأولى” بقيادة الشهيد ضياء الدين محمد صديق، و”كتيبة الشهيد الدحيش”، وتطورهما لاحقًا إلى “لواء عبد الله جماع”، هو أبلغ دليل على هذا الالتزام الوطني الراسخ.
ثانياً: المعاناة المزدوجة والاتهامات الباطلة

بعد سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من ولاية سنار ومحلية الدالي والمزموم تعرضت مجتمعات البادية لنفس المصير المأساوي الذي لحق بجميع المناطق التي دخلتها المليشيا من انتهاكات وتهجير قسري ونهب للممتلكات بل إن الضرر الذي لحق بهم كان مضاعفًا حيث فقدوا ثرواتهم الحيوانية التي تمثل عصب حياتهم ونزحوا إلى دولة جنوب السودان. ورغم فرحتهم بتحرير مناطقهم على يد القوات المسلحة، إلا أنهم صُدموا بواقع مرير تمثل في هدم منازلهم وتدمير ممتلكاتهم في منطقة التضامن، تحت ذريعة أنهم “حواضن” للمليشيا هذا الإجراء الذي طال حتى المساجد والأشجار تزامن مع تصاعد خطاب كراهية خطير يتهمهم بالخيانة متجاهلاً حقيقة أنهم أنفسهم كانوا ضحايا لتلك المليشيا وفقدوا أرواحًا عزيزة على يدها.

ثالثاً: فراغ المسؤولية الحكومية ومخاطر استغلال الأزمة*

إن أخطر ما يواجه هذا الملف حاليًا هو غياب استراتيجية حكومية واضحة وموحدة للتعامل معه. حتى هذه اللحظة، لم تقم الدولة بتشكيل لجان رسمية أو تفويض جهة محددة بقرار سيادي لإدارة هذه الأزمة المعقدة. هذا الفراغ يترك مصير مجتمعات كبيرة ومهمة للتقديرات الشخصية والمصالح الضيقة لجهات متعددة مما يفتح الباب على مصرعيه لاستغلال المليشيا المتمردة لهذه المظالم لتجنيد المزيد من الأفراد وتوسيع دائرة الصراع إن ترك هذا الملف دون معالجة حكيمة ومسؤولة لا يضر بمصالح هذه المجتمعات فحسب بل يهدد السلم الاجتماعي والاستقرار في المنطقة بأكملها ويقوض جهود الدولة في حسم المعركة

رابعاً: توصيات عاجلة لمعالجة الأزمة وتفويت الفرصة على المتربصين

بناءً على ما سبق ومن منطلق المسؤولية الوطنية نوصي بالآتي:

  1. التدخل الفوري للدولة: يجب على القيادة العليا للدولة التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية أمن قومي وتشكيل لجنة عليا بقرار جمهوري تضم ممثلين عن الجهات السيادية (الدفاع الداخلية جهاز المخابرات العامة) ووزارات الحكم الاتحادي والتنمية الاجتماعية بالإضافة إلى قيادات وازنة ومقبولة من أصحاب الشأن من أهل البادية أنفسهم
  2. وقف الانتهاكات والتحقيق الفوري:
    إصدار توجيهات صارمة بوقف أي إجراءات هدم أو تدمير لممتلكات المواطنين في المناطق التي وقع عليها الضرر
    وتشكيل لجنة تحقيق محايدة لتقصي الحقائق حول الانتهاكات التي تعرضوا لها من جميع الأطراف ومحاسبة المتورطين
  3. التصدي لخطاب الكراهية: إطلاق حملة إعلامية وسياسية مضادة لخطاب الكراهية تركز على إبراز تضحيات أبناء البادية في صف القوات المسلحة
    وتوضح أنهم ضحايا للمليشيا وليسوا حاضنة لها مع التأكيد على أن الانتماء للمليشيا هو فعل فردي لا يمثل مجتمعًا بأكمله
  4. إغاثة عاجلة وتسهيل العودة الآمنة:
    تنظيم حملات إغاثة عاجلة للنازحين في الداخل وفي دولة جنوب السودان ووضع خطة محكمة لتأمين عودتهم الطوعية والآمنة إلى قراهم واعادة اعمارها
    وتوفير الحماية اللازمة لهم
  5. وضع خطة تنموية شاملة: يجب أن تتجاوز المعالجة الحلول الأمنية والإغاثية المؤقتة
    لتشمل وضع خطة تنمية مستدامة تهدف إلى دمج هذه المجتمعات بشكل حقيقي في عجلة التنمية من خلال توفير الخدمات الأساسية في مناطقهم (تعليم، صحة، مياه)، ودعم أنشطتهم الاقتصادية التقليدية وتطويرها واشراكهم في السلطه بالقدرة الذي يضمن لهم مساوتهم بباقي المكونات الاجتماعيه الأخرى داخل الدوله السودانيه

إن التعامل الحكيم والمسؤول مع قضية أهل البادية الجنوبية اليوم هو استثمار في مستقبل أمن واستقرار السودان وتفويت للفرصة على أعداء الوطن الذين يسعون لتمزيق نسيجه الاجتماعي

إرسال التعليق

لقد فاتك