إسماعيل هجانة : خيط الدم الممتد: توثيق الإبادة والتطهير العرقي
للاسف مازالت تتواصل هذه الجرائم كخيط دمٍ واحد، ممتدّ على اتساع كردفان ودارفور منذ عقود، تستهدف المجتمعات في عمق حياتها اليومية، ويضرب الأسواق والبوادي ومراكز الرزق، ويطال الزراعة ومصادر الثروة الحيوانية بحرق المحاصيل ونهب الماشية، وكأن القصد محو الإنسان قبل المكان. ما يحدث يحمل ملامح إبادة جماعية ممنهجة وتطهير اجتماعي مقصود، موجّه ضد جماعات بعينها، وأنماط عيش بعينها، وانتماءات قبلية واجتماعية واضحة. القصف لا يفرّق بين بائع ومارّ، بين امرأة وطفل، بين سوق يعجّ بالحياة ومرعى يؤوي الرعاة. إنه سلوك واحد يتكرر، بعقيدة واحدة، وبأدوات قتل واحدة، ليحوّل الجغرافيا إلى مسرح رعب دائم، ويكسر أي إحساس بالأمان أو الاستقرار.
التوثيق الموكد للجرائم خلال الايام :
ولاية شمال دارفور – محلية المالحة
في مساء الأحد 25 يناير 2026، تعرّض سوق جبل عيسى لقصف مباشر بطيران مُسيّر. كان السوق مكتظًا بالباعة وأصحاب المحال والمواطنين. خلال لحظات تحوّل المكان إلى كتلة من النار والدخان.
الضحايا: 23 شهيدًا من المدنيين.
الأثر: احتراق السوق بالكامل، تدمير شامل لمصادر رزق السكان، وترك مئات الأسر بلا مورد للعيش.
ولاية شمال كردفان
في اليوم نفسه، الأحد 25 يناير 2026، تعرّض سوق أبو زعيمة لقصف جوي/مدفعي أثناء ذروة الحركة. سقطت القذائف وسط تجمع مدني واضح.
الضحايا: 5 شهداء من المدنيين.
الإصابات: 30 مصابًا، غالبيتهم من النساء وكبار السن.
الأثر: بثّ الذعر، إصابات جسيمة، وتعطيل كامل لحياة السوق والمنطقة المحيطة.
إقليم كردفان – بادية الحوازمة
يوم الخميس 29 يناير 2026، استُهدفت منطقة الرويكيبة بطائرة مُسيّرة. طال القصف تجمعًا مدنيًا في البادية حيث الرعاة والأسر المستقرة مؤقتًا.
الضحايا: 19 شهيدًا من المدنيين.
الإصابات: عدد من الجرحى، مع تعذّر الحصر لحظة التوثيق.
الأثر: خسائر بشرية فادحة، صدمة جماعية، ونزوح قسري خوفًا من تكرار الاستهداف.
هذا السرد يرسم الصورة الحقيقية لطبيعة الجماعات الإرهابية التي تسيطر على الجيش، والتي ارتكبت هذه الجرائم مع سبق الإصرار والترصّد. إنها حكاية دمٍ واحد مسفوح على امتداد البلاد، يتنقّل بصورة انتقامية فجّة بين دارفور وكردفان والنيل الأزرق، ويترك خلفه أسواقًا محروقة، وبوادي مفجوعة باليتامى والأرامل، وأسرًا مكسورة محاصَرة بالفقد. تمتد الجرائم إلى جنوب وشمال كردفان، بما في ذلك حرق القرى والفرقان، ونهب الأبقار والأغنام، وترويع النساء والأطفال وكبار السن بقتلٍ انتقامي متكرر. النمط واحد، والجريمة واحدة، والضحايا مدنيون عُزّل. التاريخ يُدوّن، والذاكرة الجماعية تحفظ، والعدالة ستجد طريقها مهما طال الزمن.



إرسال التعليق