إسماعيل هجانة : القتلة الحقيقيون هم الصامتون عن قول الحقيقة: الإنحيازٌ المفضوح - صوت الوحدة

إسماعيل هجانة : القتلة الحقيقيون هم الصامتون عن قول الحقيقة: الإنحيازٌ المفضوح

في حروب السودان، لا يُقتل الناس هنا بالرصاص وحده، إنما عبر عدة طرق واهمها بالصمت الذي يسبق الطلقة ويعقبها. يُقتلون حين تُرى الجرائم بوضوح مفضضوح ثم تُغلَّف بلغة ملساء، أو تُؤجَّل بذريعة “التحقق”، أو تُدفن تحت رماد المصالح الذاتية والسياسية والأثنية والجهوية والثقافية .. الخ، فتحوّل الصمت من موقفٍ مُلتبس إلى شراكة كاملة في الجريمة، ومن حيادٍ مُدّعى إلى غطاء أخلاقي للقتل، ومن تواطؤٍ خافت إلى وقودٍ لإبادة تُرتكب على مرأى العالم.

منذ أبريل 2023، تتراكم الوقائع كما تتراكم الجثث في رمال كردفان ودارفور والكنابي: أسواق تُقصف، قرى تُحرق، مدنيون يُستهدفون في خبزهم ومراعيهم وحقولهم. وفي اللحظة نفسها، اختار أصدقاء ورفاق – صنعوا رؤوسًا بالتشهير في وقائع مرفوضة أخلاقيًا لكنها لا تقارب حجم الكارثة الجارية – طريق الاختباء. فعلت مؤسسات مجتمع مدني وناشطون وسياسيون الشيء ذاته، فصاروا جزءًا من الجريمة؛ مرة بالصمت، ومرة بإخفاء آثار الانتهاكات وفق انحيازات سياسية وأمنية وإثنية وجهوية وتنظيمية. هكذا جرى النظر إلى الاتجاه الآخر، وهكذا مُسحت الحدود بين الضحية والجلاد. حين تُحجب الحقيقة أو تُقدَّم مبتورة، يصبح الصمت انحيازًا مفضوحًا، وتغدو اللامبالاة أداة قتل تضاهي السلاح فتكًا.

هذا النص تسمية مباشرة للأشياء بأسمائها، وتثبيت للوقائع في وجه محاولات الطمس. الحقيقة التي تُؤجَّل تُضيف ضحية، والحقيقة التي تُخفى تُكمل الجريمة.

منذ اندلاع أولى الحروب في السودان عام 1955 وحتى اليوم، والسودان يُستنزف على مرأى السودانيين، حربًا بعد حرب، وجرحًا بعد جرح، دون أن يُمنح لحظة تعافٍ حقيقية. ما بدأ صراعًا مسلحًا تحوّل سريعًا إلى مساحات أظلم: إبادة جماعية، تطهير عرقي، تدمير ممنهج للحياة، وتجريف للإنسان نفسه قبل الأرض. اليوم، لم تعد الشهادات مجرد روايات، ولم تعد الوقائع قابلة للإنكار أو الطمس؛ فالتقارير الميدانية تتقاطع مع ما وثّقته جهات دولية وصحفية لتكشف مستوى بالغ الخطورة من الانتهاكات، بلغ حدّ استخدام أسلحة محرّمة دوليًا.

تقرير الصحفية الأميركية هولي مكاي أعاد فتح ملفّ شديد الحساسية: مؤشرات استخدام مواد كيميائية خلال العمليات العسكرية. هذه المؤشرات لم تأتِ من فراغ؛ سبقها حديث رسمي أميركي عن وقائع خطيرة، وتحقيقات صحفية أوروبية، وتنبيهات حقوقية متكررة حول أنماط إصابات غير اعتيادية وآثار ميدانية تتجاوز أسلحة القتال التقليدية. كل ذلك يحدث في ظل عجز دولي فاضح عن تفعيل آليات المساءلة والحماية، وكأن حياة السودانيين بند مؤجّل في جدول المصالح.

وعلى الأرض، تتواصل الجرائم بلا توقف. قرى تُمحى من الخريطة، مدنيون يُقتلون على الهوية، نساء يُغتصبن، أطفال يُحرمون من الحياة والتعليم، ومدن تُفرَّغ من سكانها. هذه الجرائم تُنفَّذ بواسطة قوات مسلحة خاضعة لنفوذ جماعات الإخوان المسلمين العالمية والمحلية، تعمل بعقيدة إقصائية ترى في مدنيين من مجتمعات وقبائل محددة—تحت عناوين مثل قانون الوجوه الغريبة واستهداف عرب الشتات—«أهدافًا مشروعة» “فصرنا نحن أهدافا مشروعة القتل” إذا خرجوا عن سرديتها أو انتمائها. هذا النهج صنع سجلًا دمويًا ممتدًا من دارفور إلى كردفان، ومن الجزيرة إلى الخرطوم.

القانون الدولي الإنساني وُجد لحماية البشر في أوقات الحرب، لكن ما يجري في السودان يفضح هشاشة المنظومة الدولية حين تتغلّب المصالح على القيم. الصمت، التأجيل، واللغة الرمادية ليست حيادًا؛ هي أدوات تمنح الجناة وقتًا إضافيًا لارتكاب المزيد. المجتمع الدولي مطالب اليوم—قبل الغد—بتحقيق مستقل وشفاف، ومساءلة حقيقية، وتدابير رادعة تحمي المدنيين وتوقف الانتهاكات فورًا.

هذه معركة تجاوزت حدود البيانات والتقارير. إنها معركة الحقيقة والحق في الحياة. التاريخ شهد؛ النيل نفسه شاهد حين استقبل الجثث المُلقاة فيه. ونحن نعرف تمامًا من صمت، ومن تواطأ، ومن اكتفى بالمشاهدة.
العدالة ستأتي، والسودان لن يُدفن تحت ركام الجرائم.

إرسال التعليق

لقد فاتك