آدم الحاج : ما بين الخدمة الإلزامية والعودة القسرية: - صوت الوحدة

آدم الحاج : ما بين الخدمة الإلزامية والعودة القسرية:

كيف تُدار معاناة السودانيين كأداة للاغتصاب السياسي للسلطة

حين تتحول الدولة من راعٍ للحقوق إلى جهاز إكراه

مقدمة

لم تعد معاناة الشعب السوداني مجرد انعكاسٍ عرضي للحرب أو لانهيار مؤسسات الدولة، بل تحوّلت إلى سياسة ممنهجة تُدار بوعي كامل، تُستخدم فيها أدوات الإكراه لإعادة إنتاج سلطة فقدت شرعيتها السياسية والأخلاقية. ففي واقع بالغ القسوة، يجد المواطن السوداني نفسه محاصرًا بين خيارين أحلاهما مُهين: الخدمة الإلزامية القسرية داخل وطن تتآكل فيه الدولة، أو العودة القسرية من دول الجوار إلى بيئة غير آمنة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

هذا التقاطع الخطير بين العسكرة القسرية والتهجير المعاكس لا يمكن فهمه خارج سياق الاغتصاب السياسي للسلطة، حيث تُختزل الدولة في جهاز أمني، ويُختزل المواطن في أداة، ويُدار الوطن بمنطق الغنيمة لا بمنطق العقد الاجتماعي.

الخدمة الإلزامية: من واجب وطني إلى أداة قهر

في الدول التي تحترم شعوبها، تُبنى الخدمة الوطنية على أسس دستورية واضحة: دولة قائمة، سلطة منتخبة، ومفهوم جامع للأمن القومي. أما في الحالة السودانية الراهنة، فقد جرى تفريغ مفهوم الخدمة من مضمونه الوطني، وتحويلها إلى وسيلة لسدّ عجز سلطة مأزومة تبحث عن أجساد تحمي بقاءها لا عن مواطنين يحمون وطنهم.

إجبار الشباب على الانخراط في صراع لا يمثلهم، ولا يستند إلى شرعية سياسية، يُعدّ انتهاكًا مباشرًا للحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والكرامة والاختيار الحر. فهذه ليست خدمة وطنية، بل عسكرة للإكراه، وإعادة إنتاج لدولة تُدار بالخوف لا بالرضا.

العودة القسرية: انتهاك مزدوج للكرامة والقانون الدولي

بالتوازي مع ذلك، تتصاعد الضغوط على اللاجئين السودانيين في دول الجوار، لدفعهم إلى العودة القسرية، في مخالفة صريحة لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي.

فالعودة في ظل استمرار الحرب، وغياب الأمن، وانهيار الخدمات، ليست خيارًا طوعيًا، بل إكراهًا سياسيًا مغلّفًا بلغة تنظيمية، يُستخدم لتحقيق أهداف تتجاوز مصلحة الإنسان، من بينها:

  • تصدير الأزمة بدل حلها
  • توفير وقود بشري للصراع
  • تسويق وهم الاستقرار

وهكذا يُجبر اللاجئ على المفاضلة بين المنفى القاسي أو الوطن غير الآمن، في مشهد يُجسّد كيف تُدار المعاناة كسياسة لا كأزمة إنسانية.

الاغتصاب السياسي للسلطة: حين تُلغى الإرادة الشعبية

الاغتصاب السياسي لا يقتصر على الاستيلاء على الحكم بالقوة، بل يتجلى في الاستمرار في الحكم عبر تعطيل الإرادة الشعبية، وتجفيف المجال العام، وتحويل الدولة إلى أداة قمع. وقد برعت سلطة الكيزان، تاريخيًا، في استخدام:

  • العسكرة بدل السياسة
  • الدين لتبرير الإكراه
  • الخوف كأداة حكم

فحين تُفرض الخدمة بالقوة، وتُفرض العودة بالإكراه، وتُغلق مسارات الاختيار الحر، نكون أمام سلطة تُهيمن ولا تحكم، وتدير البقاء لا الدولة.

النتائج الاجتماعية والإنسانية

هذه السياسات لا تنتج أمنًا ولا استقرارًا، بل تخلّف:

  • تفككًا أسريًا واسع النطاق
  • جيلًا مأزومًا نفسيًا واجتماعيًا
  • انهيار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة
  • تعميق الانقسام والكراهية

فالدولة التي تُجبر أبناءها على القتال، وتُعيد لاجئيها قسرًا، إنما تراكم أسباب الانفجار القادم، وتؤسس لسقوط أخلاقي وسياسي مؤجل.

خاتمة: لا شرعية بالإكراه

لا يمكن بناء وطن على أجساد المقهورين، ولا يمكن استعادة الدولة عبر الإكراه. فالشرعية لا تُنتزع بالقوة، بل تُمنح بالرضا، والدولة لا تقوم على العسكرة، بل على العدالة والحقوق والاختيار الحر.

إن معركة السودانيين اليوم ليست فقط ضد الحرب، بل ضد منطق الإكراه ذاته، وضد كل سلطة ترى في الشعب وقودًا لا شريكًا. فإما دولة تحترم الإنسان، أو سلطة تزول مهما طال اغتصابها.

إرسال التعليق

لقد فاتك