مجدي محمد : عقدة النخبة - إزاحة النقاب عن الأبارتهايد المقنع​خديعة "الطلقة الأولى".. حينما إغتال "الأفندي" حلم الوطن! - صوت الوحدة

مجدي محمد : عقدة النخبة – إزاحة النقاب عن الأبارتهايد المقنع​خديعة “الطلقة الأولى”.. حينما إغتال “الأفندي” حلم الوطن!

ديمقراطية “قدِّر ظروفك”

​مدخل: قناع البياض.
أمام الحملة النفسية الشرسة التي تعرض لها الإنسان السوداني للتماهي مع مشروع “عربنة” الدولة، كانت المرأة السودانية في وجه المدفع. بعضهن اضطر لاستخدام موارد حارقة لـ “تبييض بشرتها” وشراء تذكرة قبول اجتماعي في دولة تقدس اللون الفاتح.
لكن مع الضغط الاقتصادي، لم تجد “المسكينات” سوى استراتيجية تسمى في عالم مواد التجميل بـ “قدِّر ظروفك”.
هذه العقلية (التجميل الرخيص لإخفاء الحقيقة) لم تتوقف عند البشرة، بل انتقلت لتصبح “عقيدة سياسية” للنخبة الحاكمة.

​يجب ألا يغيب عن ذهنك، عزيزي القارئ، أن ما تراه وتسمعه في مسرح “دولة 56” ليس بالضرورة حقيقة مجردة. تذكر دائماً أنك هدف مستمر لعمليات تلاعب نفسي، و عمليات تضليل واحتيال ممنهج مع سبق الإصرار والترصد بغرض التأثير على وعيك.

​لقد تحدثنا سابقاً عن “الهندسة الاجتماعية” والنفاق المؤسسي، لكن اليوم، دعنا نصف المشهد بدقة أكبر:

دولة 56 تشبه تماماً شاحنة يقودها سائق “مخمور” على طريق سريع بأقصى سرعة؛ يرمي إشارة “يمين” وينعطف “يساراً” عن عمد!. هذا الانعطاف “الغادر” هو السبب الجذري للخراب الواسع الذي تراه عيناك الآن.

​لذا، أدعوك ألا تسمح لأحد بجرِّك إلى “الجدل البيزنطي” العقيم حول: من أطلق الطلقة الأولى في حرب 15 أبريل؟ فالطلقة الأولى لم تنطلق في 2023… ولم تطلق في دخول قوات الدعم الى مروي.

دعني اصطحبك في جولة عبر الزمن، إلى حيث انطلقت “الطلقة الأم” و منها بدأ الخراب. دعني ازيح ستار الخديعة لتعرف المستور.

​انقلاب البرلمانيين!
​هل سبق وسمعت بانقلاب يقوده برلمانيون ونخب مدنية ورجال دين؟
نعم، انقلاب 17 نوفمبر 1958 لم يكن انقلاب الجيش وحده. لم يسرق الجنرال إبراهيم عبود السلطة بليل، ولم يقتحم القصر بدبابة ابدأ. الحقيقة المرة هي أنه تلقى دعوة، والأبواب فُتحت له على مصراعيها، ليدخل ويدهس بأحذيته العسكرية أحلام “الفيدرالية” التي كانت الفرصة الأخيرة لوحدة السودان الطوعية و حقن دماء أبناءه.

​ما حدث لم يكن انقلاباً عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل كان عملية “تسليم واستلام” (Handover) تمت في الغرف المظلمة بين رئيس الوزراء (عبد الله خليل) وقائد الجيش (إبراهيم عبود)، بمباركة وضوء أخضر من “الآلهة السياسية” آنذاك.

​قد تتساءل: لماذا يتنازل “أفندي” سياسي عن السلطة طواعية للعسكر؟
هنا تكمن “عقدة النخبة” وهنا بدأ خصاؤها السياسي.

​مسرح الجريمة: “رعب الرياضيات”.. الأغلبية المكبوتة.

​في تلك الفترة، كانت الجمعية التأسيسية (البرلمان) تناقش مسودة الدستور الدائم. المشكلة التي أرقت مضاجع المركز لم تكن “سياسية” فحسب، بل كانت “حسابية ديموغرافية”.
كانت النخبة المركزية قد وضعت خطتها وتوافقت على سرقة الدولة والهيمنة على مواردها تحت غطاء البيضة الذهبية: “العروبة والإسلام”.
​لكن تنفيذ ذلك كان مستحيلاً “ديمقراطياً”، لأن “الكتلة الجنوبية” بقيادة الأب ساتورنينو لوهوري وستانيسلاوس بايساما، كانت تملك “البيضة الماسية”، أو ما يسمى بـ “بيضة القبان” (التصويت المرجح).
كان شرط الجنوبيين واضحاً وصريحاً: “لن نصوت للدستور الإسلامي أو للدولة الموحدة إلا إذا تم إقرار النظام الفيدرالي للجنوب”.

​أدركت نخب المركز (حزب الأمة والاتحادي – و جوغه “عيال غردون”) الحقيقة المرعبة:
إذا وافقنا على الفيدرالية اليوم، سينضم نواب (جبال النوبة) ونواب (الفونج) ونواب (دارفور) غداً إلى الكتلة الجنوبية.

المعادلة كانت واضحة: (جنوب + غرب + نيل أزرق) = أغلبية برلمانية ساحقة.

هذا يعني استحالة هيمنة “مثلث حمدي” على مقدرات الدولة، و يعني نهاية مشروعهم “السري” فرض الهوية العربية و الإسلام “غطاء الهيمنة” في مهده.

كان الخوف الحقيقي هو الخوف من “الديمقراطية الحقيقية” التي ستأتي بمن لا يشبهونهم إلى سدة الحكم.

​المؤامرة: “أغلقوا البرلمان لنخرس الأغلبية”
​لم يجد رئيس الوزراء آنذاك، عبد الله خليل (سكرتير حزب الأمة)، نفسه في مأزق فردي كما يشاع، بل أدركت كل نخب المركز الخطر. فكانت الفكرة الشيطانية: الحل هو إلغاء الديمقراطية نفسها.

​كانت الخطة تقضي باستدعاء الجيش لاستلام السلطة، وبالتالي يتم حل البرلمان، وتُلغى المناقشات حول الفيدرالية والدستور، ويحكم المركز بقبضة حديدية دون “صداع” من الجنوبيين والغرابة وغيرهم من “الغوغاء” في نظرهم.

تشير الروايات الموثقة وشهادات الضباط الأحرار أن خليل قال لعبود جملته الشهيرة التي تلخص العقلية المركزية: “استلموها.. أنا بجي بلقاكم في القيادة.. أي زيتنا في دقيقنا”.

​مباركة “السيدين”: الغطاء الديني للجريمة

​لم يكن عبد الله خليل ليتجرأ على تسليم مفاتيح البلاد دون غطاء “مقدس”. تشهد الوثائق التاريخية على “التواطؤ” المخزي وحلف (القبيلة/الجهة/الطائفة):
​السيد عبد الرحمن المهدي (راعي حزب الأمة): بارك الخطوة، وأرسل ابنه لتهنئة عبود، معتبراً الجيش “حامياً للاستقلال” من الفوضى (والفوضى في قاموسه تعني صعود الهامش وحصوله على حقوقه).
​السيد علي الميرغني (راعي الختمية): أصدر بيانه الشهير واصفاً الانقلاب بأنه “معجزة إلهية” وأن الجيش هو “المنقذ” للبلاد!.

​لقد تواطأ “رأس الطائفية” مع “رأس العسكر” و”رأس عيال غردون” في حلف سري مقدس ضد “الديمقراطية التعددية”.

قرروا أن ديكتاتوراً من جلدتهم يحمي امتيازاتهم، هو أفضل “ترياق” ضد ديمقراطية تضطرهم لمشاركة السلطة مع “الآخرين”.

​ما بعد التسليم: هندسة الإقصاء

​بمجرد استلام عبود، نفذ فوراً “المخاوف” التي دعت لتسليمه الحكم، مؤسساً للأبارتهايد الثقافي والديني بشكل سافر:

​وأد الفيدرالية: بحل البرلمان، ماتت “مطالبة الجنوب” موتاً سريرياً.
​التطهير الوظيفي: طرد كل المسؤولين الجنوبيين الذين لا يتحدثون العربية من الوظائف العامة، من الوزير إلى الغفير.
​قانون التبشير (1962): طرد الإرساليات المسيحية لإزالة “التعليم الحديث” واستبداله بخلاوى تفرض التعريب و الأسلمة.
​أسلمة العطلة: فرض يوم “الجمعة” عطلة في الجنوب بدلاً من الأحد، في رسالة قاسية تقول: “هويتكم لا مكان لها هنا”.
​التعريب القسري: حرق الكتب باللغات المحلية والإنجليزية وفرض العربية بالقوة.

​النتيجة؟
هذا “التسليم والتسلم” او “الانقلاب الأبيض”، أو “المؤامرة الأولى”، سمها كما يحلو لك، كان السبب المباشر لانفجار الحرب الأهلية الأولى بشكلها الشرس (أنيانيا 1). فبعد 17 نوفمبر 1958، أدرك الجنوبيون أن “طريق السياسة مسدود”، وأن الشمال لن يقبل بهم كشركاء، بل كرعايا. فخرجوا إلى الغابة.

​من عبد الله خليل إلى بورتسودان.. التاريخ يعيد نفسه
​لا تقرأوا هذا التاريخ كقصة ماضية، بل انظروا حولكم اليوم.
ما يفعله “أفندية” المركز اليوم، المتكدسون في فنادق بورتسودان والقاهرة، هو استمرار حرفي لتلك المؤامرة.

إنهم يرفضون إيقاف الحرب والذهاب لتسوية سياسية شاملة، لأن التسوية تعني “إعادة هيكلة الجيش والدولة” وتعني “الفيدرالية الحقيقية”.

​إنهم يفضلون الاحتماء بظهر الجنرال (البرهان) وحرق الخرطوم ودارفور، على أن يقبلوا بوضع ديمقراطي جديد يفقدون فيه “الامتياز التاريخي”.

​تلك هي “الطلقة الأولى” الحقيقية.. وتلك كانت اللحظة التي قرر فيها “الأفندي” أن يخصي نفسه سياسياً، ليسلم رقبته ورقبة الوطن للأوهام، خوفاً من عدالة المساواة.

​فهل نتعلم الدرس، أم ننتظر الجنرال القادم؟

في الحلقة القادمة:
“تِرس” حزب الأمة (الجنرال برمة ناصر)، و”الشاب” (إبراهيم الميرغني)..
هل وجودهما في تحالف “تأسيس” موقف مبدئي؟ أم مناورة ذكية لاستعادة مجد الطائفية الذي سرقه منهم “صعاليك المركز” (الكيزان)؟

وهل يتوقع الشعب السوداني اعتذاراً منهم باسم أحزابهم وطوائفهم عن جرائم الماضي؟ أم أن الوقت لا يزال مبكراً على ذلك؟

​سؤال للقارئ الكريم: هل يمكن الوثوق في “الطائفية السياسية” دون تقديم اعتذار تاريخي ومراجعة شاملة؟
شاركنا رأيك في التعليقات.

إرسال التعليق

لقد فاتك