آدم عبدالله : حديث الدولة في زمن الحرب - صوت الوحدة

آدم عبدالله : حديث الدولة في زمن الحرب

في بلدٍ أنهكته الحروب، وأرهقته الشعارات، وأفقدته البنادق بوصلته الوطنية، يصبح أي حديث هادئ عن المستقبل عملاً سياسياً شجاعاً بحد ذاته.
من هذا المنطلق جاء حديث الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني السابق، مختلفاً في نبرته، ومغايراً في مضمونه، ومربكاً لمن اعتادوا على الصراخ بدلاً عن التفكير، وعلى العنف بدلاً عن السياسة.

لم يظهر حمدوك بوصفه طرفاً في معركة، ولا زعيماً لمجموعة، بل تحدث بلغة الدولة الغائبة منذ سنوات؛ لغة تدرك أن الحرب ليست قدراً، وأن استمرارها لا يصنع منتصراً حقيقياً، بل يراكم الخراب، ويعمّق الجراح، ويدفع البلاد خطوة إضافية نحو التفكك.
حديثه عن إيقاف الحرب لم يكن أمنية عاطفية، بل قراءة عقلانية لتجربة سودانية طويلة أثبتت أن السلاح لا يبني دولة، وأن الرهان على القوة ينتهي دائماً بخسارة الوطن.

في قلب حديثه وضع حمدوك فكرة دولة القانون، لا كطرح نظري، بل كشرط وجودي لبقاء السودان موحداً؛ دولة يكون فيها القانون مرجعية عليا، لا تُعطَّل باسم الطوارئ، ولا تُجزَّأ بحسب النفوذ، ولا تُفرَّغ من محتواها لصالح مراكز قوة مسلحة.
دولة يشعر فيها المواطن، أياً كان موقعه أو خلفيته، أن حقوقه مصانة، وأن العدالة لا تُدار بالانتقائية، ولا تُمنح بالولاء.

ما يميز خطاب حمدوك أنه لم ينزلق إلى منطق الإقصاء، رغم سهولة هذا الطريق وشعبيته في أزمنة الاستقطاب. لم يرفع راية «الشرعية الحصرية»، ولم يتحدث بلغة التخوين، بل دعا إلى سودان يتسع لكل أبنائه دون استثناء، أو تصنيف، أو أحكام مسبقة.
هذا الطرح، في واقع مشحون بالكراهية والانقسامات، يبدو للبعض مثالياً، لكنه في الحقيقة الخيار الواقعي الوحيد لبناء دولة قابلة للحياة.

ولعل أخطر ما تعانيه السياسة السودانية اليوم هو غياب عقل الدولة؛ ذلك العقل الذي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، ويرى في الوطن مشروعاً مشتركاً، لا ساحة لتصفية الحسابات.
من هذه الزاوية، فإن حديث حمدوك، سواء اتُّفق معه أم اختُلِف، يعيد طرح سؤال جوهري:
هل نريد دولة أم نريد سلطة؟
هل نبحث عن وطن يسع الجميع أم عن انتصار مؤقت لطرف على حساب الآخرين؟

الانتقاد لتجربة حمدوك السابقة مشروع، بل وضروري، لكن النقد الموضوعي يختلف عن الإنكار الكلي. فالرجل في خطابه الأخير لم يكن بصدد تبرئة الماضي، بقدر ما كان يحاول فتح نافذة للمستقبل؛ مستقبل لا تُحكم فيه البلاد بالبندقية، ولا تُدار فيه السياسة بعقلية الغنيمة، ولا يُختزل فيه الوطن في جماعة أو مؤسسة أو قوة مسلحة.

إن السودان اليوم لا تنقصه الشجاعة في حمل السلاح، بل تنقصه الشجاعة في إيقافه. لا تنقصه الخطب الحماسية، بل تنقصه الرؤى الهادئة القابلة للتحقق.
وفي هذا السياق، يصبح حديث حمدوك تذكيراً مؤلماً بأن طريق الخلاص، مهما بدا صعباً وطويلاً، يبدأ دائماً من استعادة السياسة من فوهة البندقية، وإعادة الدولة إلى أصحابها الحقيقيين: المواطنين.

قد يختلف السودانيون حول الأشخاص، لكنهم يكادون يتفقون على حقيقة واحدة:
لا مستقبل للسودان دون سلام، ولا سلام دون دولة، ولا دولة دون قانون.
هذا ما قاله حمدوك، باختصار موجع. وبهذا المعنى، فإن حديثه لم يكن مجرد رأي سياسي، بل محاولة لإعادة تعريف البوصلة في زمنٍ تاهت فيه الاتجاهات.

إرسال التعليق

لقد فاتك