إسماعيل هجانة : اقتصاد إدارة النزاع: إثيوبيا وكينيا وإعادة هندسة النفوذ في القرن الإفريقي - صوت الوحدة

إسماعيل هجانة : اقتصاد إدارة النزاع: إثيوبيا وكينيا وإعادة هندسة النفوذ في القرن الإفريقي

إن فكرة بناء أثرٍ إيجابي داخل محيطٍ مضطرب ومتقلّب اتخذت في إثيوبيا وكينيا بعدًا أكثر فعالية في التغيير والاستدامة. فقد تحوّل النمو الاقتصادي فيهما إلى قوة ذات أثر ارتدادي خلاق على الإقليم بأكمله. ومع توسّع شبكات النقل والطاقة، وانخفاض كلفة المخاطر، أصبحتا بيئة جاذبة لاحتضان المؤسسات الدولية الكبرى، بما في ذلك مؤسسات الأمم المتحدة، ما عزّز مكانتهما كمراكز ثقل إقليمي.

هذا المسار أسهم في توسيع فرص الاندماج الاقتصادي للدول المتأثرة بالنزاع، بما فيها السودان ودول الجوار. صحيح أن هذا الأثر لا يُنهي الصراع، لكنه ينجح في تقليص قدرته على تعطيل الاقتصاد الإقليمي، ويعيد ضبط العلاقة بين الاضطراب والتنمية ضمن معادلة أكثر توازنًا.

وفي الوقت ذاته، يعيد صعود هاتين الدولتين تشكيل قواعد التنافس الدولي في المنطقة. فالاستثمار يتبع الاستقرار النسبي، والاستقرار النسبي يُبنى عبر مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات وإدارة المخاطر. هنا، يتحوّل النمو إلى لغة نفوذ تتقدّم على الخطاب العسكري، وتفرض إعادة ترتيب لأولويات الفاعلين الإقليميين، حيث يصبح الاقتصاد أداة التأثير الأكثر فاعلية في زمن الصراعات المفتوحة.

وتعكس التجربة الإثيوبية–الكينية انتقالًا واضحًا من اقتصاد الهشاشة إلى اقتصاد الإدارة:
إدارة المخاطر بدل الهروب منها،
تنظيم النزاع بدل إنكاره،
وتحويل الجغرافيا من عبء أمني إلى أصل اقتصادي.
هذا المسار يفسّر كيف يمكن لدول محاطة بالصراعات أن تسجّل نموًا متقدمًا، وتستثمر في المستقبل دون انتظار نهاية كاملة للنزاعات؛ وهو درس بالغ الأهمية لإقليم عاش طويلًا على وقع التعثّر.

تقدّم إثيوبيا وكينيا نموذجًا مختلفًا في القرن الإفريقي؛ حيث يتجاوز النمو كونه ثمرة سلام كامل، ليصبح نتاج إدارة واعية للصراع، وهندسة دقيقة لتحدياته، وبناء اقتصاد قابل للتكيّف، وقراءة متقدّمة لمعادلات النفوذ والموارد. في إقليم تتكاثر فيه الأزمات، يغدو هذا النمو عامل توازن، ويؤكد في كل مراحله أن الاقتصاد، حين يُدار بوعي، قادر على تقليص أثر الحرب وإعادة توجيه مسار المنطقة.

وفي هذا السياق، لا تقدّم إثيوبيا وكينيا تجربة نمو اقتصادي متفرّدة فحسب، بل تطرحان سؤالًا استراتيجيًا مفتوحًا أمام دول القرن الإفريقي كافة:

هل سيظل الصراع يُدار بمنطق الاستنزاف المفتوح، أم آن الأوان للانتقال إلى منطق الإدارة الذكية للنزاع، حيث يُحتوى العنف داخل مؤسسات الدولة بدل أن يلتهمها؟

التحذير هنا واضح ومباشر: الدول التي تواصل الاستثمار في الصراع الخام، وتؤجل بناء الاقتصاد والمؤسسات، ستجد نفسها خارج خرائط النفوذ القادمة، مهما امتلكت من جغرافيا أو موارد. ففي الإقليم الجديد الذي يتشكّل، لا مكان طويل الأمد لمن يراهن على السلاح وحده، بينما تتحوّل شبكات الطاقة، والممرات التجارية، والاستقرار النسبي إلى أدوات القوة الحقيقية.
الاقتصاد، حين يُدار بوعي، لم يعد مجرد قطاع تنموي؛ بل أصبح أداة سيادية، ووسيلة لإعادة تعريف النفوذ، وضمان البقاء داخل معادلات الإقليم المتحوّل. ومن لا يلتقط هذه اللحظة، سيدرك متأخرًا أن الحرب لم تعد تمنح الأفضلية، بل تُقصي أصحابها من المستقبل.

إرسال التعليق

لقد فاتك