آدم الحاج : هل تصلح نفايات الماضي لبناء رؤية التغيير؟
الفساد الإداري في دارفور بين تدوير الخراب والقصور القانوني المزمن
مقدمة تحليلية
لا تُقاس جدية أي مشروع تغيير بعدد الشعارات التي يرفعها، بل بمدى قدرته على تفكيك البُنى التي أنتجت الفشل. وفي دارفور، حيث تراكبت الحرب مع الفساد، تصبح معركة الإصلاح الإداري اختبارًا حقيقيًا لمعنى الدولة ذاتها.
السؤال الجوهري ليس: هل نريد محاربة الفساد؟ بل: هل نملك الجرأة على استبعاد من صنعوه؟ وهل يمكن أن تُبنى رؤية التغيير بأدوات إدارية فاسدة أُعيد تدويرها تحت مسميات جديدة؟
⸻
أولًا: الفساد الإداري في دارفور… منظومة لا اختلالات
الفساد في دارفور لم يكن سلوكًا فرديًا معزولًا، بل منظومة متكاملة تشكلت عبر:
• تسييس الخدمة المدنية،
• ربط التعيين بالولاء لا بالكفاءة،
• تحويل المؤسسات إلى واجهات للجباية غير القانونية،
• استخدام الأرض كأداة سلطة لا كمورد عام.
هذه المنظومة جعلت من الإدارة المدنية جزءًا من الأزمة، لا أداة لحلها، وأسهمت في تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
⸻
ثانيًا: مؤشر الفساد… الأرقام التي تفضح الخطاب الرسمي
بحسب مؤشر مدركات الفساد (CPI):
• ظل السودان ضمن أسوأ دول العالم في مستويات الفساد المؤسسي.
• لم يتجاوز متوسط تقييمه خلال السنوات الأخيرة حدودًا متدنية تعكس انعدام الثقة في القطاع العام.
هذه المؤشرات لا تعكس فقط فساد المركز، بل تتجلى بحدة أكبر في الأقاليم المهمشة، حيث ضعف الرقابة وتغوّل السلطة المحلية.
وفي دارفور، يتجسد هذا الفساد بصورة أوضح في ملف الأراضي، الذي يُعد أخطر وأعمق بؤر الفساد الإداري.
⸻
ثالثًا: فساد الأراضي… حين تتحول الإدارة إلى أداة نزع للحقوق
قضية الأرض في دارفور ليست مسألة قانونية فحسب، بل قضية وجود وهوية وعدالة تاريخية.
غير أن الفساد الإداري حوّلها إلى:
• سوق للنفوذ،
• مجال لتزوير المستندات،
• أداة لمعاقبة مجتمعات بأكملها عبر الحرمان والإقصاء.
تورطت إدارات الأراضي، والسجل المدني، وبعض السلطات المحلية في:
• منح أراضٍ دون سند قانوني،
• تجاهل الأعراف المحلية (الحواكير)،
• شرعنة الأمر الواقع بالقوة أو النفوذ.
⸻
رابعًا: القصور القانوني… حين يصبح القانون شريكًا صامتًا
لا يمكن فهم تمدد شبكات الفساد دون التوقف عند فشل المنظومة القانونية في أداء دورها، ويتجلى ذلك في عدة مظاهر:
- ضعف استقلال النيابة والقضاء
• تبعية مؤسسات العدالة للسلطة التنفيذية،
• التدخل السياسي في الملفات الحساسة،
• تعطيل القضايا المرتبطة بالأراضي والفساد الإداري. - قوانين غير مُفعّلة أو مُفرغة من مضمونها
• وجود نصوص قانونية دون آليات تنفيذ،
• غياب قوانين صارمة لحماية المبلغين عن الفساد،
• قصور تشريعات الشفافية والوصول للمعلومات. - الإفلات من العقاب
• عدم محاسبة المتورطين في قضايا فساد كبرى،
• التسويات السياسية على حساب العدالة،
• نقل الفاسدين بدلًا من محاسبتهم.
وهكذا، تحول القانون من أداة ردع إلى غطاء شرعي للفشل والفساد.
⸻
خامسًا: إعادة تدوير الوجوه القديمة… إصلاح شكلي لا تغييري
أخطر ما يواجه أي مرحلة انتقالية هو الاعتقاد بأن:
“الخبرة الإدارية” تعني بالضرورة بقاء نفس الأسماء.
بينما الحقيقة أن كثيرًا من هذه “الخبرات”:
• تشكلت داخل منظومة فساد،
• راكمت مصالحها من غياب المحاسبة،
• تملك مهارات التكيف لا الإصلاح.
إعادة تعيين هؤلاء تعني:
• إعادة إنتاج نفس السياسات،
• قتل الثقة المجتمعية،
• تحويل التغيير إلى مسرحية إدارية.
⸻
سادسًا: الرؤية المثلى للإصلاح في الهامش
الإصلاح الحقيقي في دارفور لا يمكن أن يكون نسخة من إصلاح المركز، بل يجب أن ينطلق من خصوصية الهامش، عبر:
- قطيعة إدارية واضحة
• إبعاد كل من ثبت تورطه أو تواطؤه مع الفساد،
• فتح ملفات التعيينات السابقة ومراجعتها. - إصلاح قانوني عميق
• ضمان استقلال القضاء والنيابة،
• تشريع قوانين صارمة لمكافحة الفساد،
• إنشاء محاكم أو نيابات متخصصة في قضايا الأراضي. - تفكيك شبكات الأراضي
• إعادة الاعتبار للحواكير والأعراف القانونية المحلية،
• مراجعة كل عقود الأراضي خلال العقود السابقة،
• إشراك المجتمعات المتأثرة في اتخاذ القرار. - إشراك المجتمع لا تهميشه
• تمكين المجتمع المدني من الرقابة،
• فتح قنوات الشكاوى والحماية القانونية،
• جعل الإدارة خادمة للمواطن لا وصية عليه.
⸻
خاتمة
إن نفايات الماضي الإدارية لا تصلح لبناء رؤية التغيير، بل تُجهضها قبل أن تولد.
ولا يمكن لدارفور أن تتعافى إداريًا وقانونيًا ما لم تُكسر الحلقة الشريرة بين الفساد والإفلات من العقاب.
الإصلاح ليس تجميلًا للمشهد، بل تفكيك جذري لبُنى الفساد، واستعادة للدولة كأداة عدالة لا كأداة نهب


إرسال التعليق