مجدي محمد : عقدة النخبة – الأفندي المخصي سياسيًاسلسلة كشف المستور (12)
ملف العدالة: “ميزان الجزار”
ترزية القوانين: كيف فصّل (الأفندي) الدستور على مقاسه وجعلنا “مجرمين” بالفطرة؟
في كل دول العالم المتحضر، القانون هو “العقد الاجتماعي” الذي يتوافق عليه الناس لحماية حقوقهم.
أما في دولة 56، فالقانون هو “السوط” الذي يستخدمه السيد لتأديب العبد.
يقولون لنا: “احترموا سيادة القانون”.
ونحن نسأل: أي قانون هذا الذي يجب أن نحترمه؟
هل هو القانون الذي يبيح قتل المتظاهرين في دارفور وكجبار؟ أم القانون الذي يحمي الفاسدين بـ “التحلل”؟
الحقيقة المرة هي أننا لم نكن يوماً متساوين أمام “ميزان العدالة”، لأن الميزان نفسه كان “مغشوشاً”.
القوانين في السودان لم توضع لتحقيق العدالة، بل وُضعت لهدفين: حماية امتيازات (الأفندي)، وتجريم نمط حياة (الهامش).
1. الميراث المسموم: “قوانين المستعمر” في يد “الوطني”
عندما خرج الإنجليز، تركوا خلفهم ترسانة من القوانين القمعية (مثل قانون المناطق المقفولة، وقوانين الطوارئ، وقوانين الدفاع الشعبي).
كانت هذه القوانين مصممة لخدمة الإمبراطورية وقمع “الأهالي”.
ماذا فعل الأفندي (المخصي)؟ هل ألغاها؟
لا.. بل تمسك بها، وطورها، واستخدمها بشراسة أكبر ضد شعبه!
الأفندي وجد في هذه القوانين الاستعمارية “كنزاً” يتيح له السيطرة.
لذلك، ظل السودان محكوم فعلياً بـ “قانون الطوارئ” لمعظم سنوات الاستقلال. الدستور كان مجرد “ديكور” للخارج، أما الداخل فكان يُحكم بالبطش.
2. “ترزية” البرلمان: تفصيل القانون على مقاس العرق
انظروا إلى تاريخ الجمعيات التأسيسية والبرلمانات في السودان. من كان يجلس تحت القبة؟
غالبية ساحقة من خريجي كلية غردون، ومن بيوتات الطائفية، ومن نخب الوسط.
هؤلاء هم “الترزية”.
عندما يشرعون قانوناً، فإنهم يفصلونه ليناسب “نمط حياتهم” هم.
القوانين التي تحمي الملكية العقارية والاستثمار، فصلت لحماية “بيوتهم وشركاتهم” في الخرطوم.
أما القوانين التي تنظم الرعي والزراعة التقليدية (حياة الملايين في الهامش)، فتمت صياغتها لتسمح للدولة بانتزاع الأرض متى شاءت.
النتيجة: أصبح لدينا “نظامان قانونيان” في دولة واحدة:
قانون مدني: يطبق في الخرطوم (لأولاد الناس).
قانون طوارئ/عرفي: يطبق في دارفور كردفان، الشرق والنيل الأزرق (للأغلبية المهمشة).
3. صناعة “المجرم”: تجريم ثقافة الهامش
أخبث ما فعله “ترزية القوانين” هو أنهم صاغوا نصوصاً تجعل من “الحياة اليومية” لإنسان الهامش “جريمة”.
قوانين النظام العام: صُممت لملاحقة “بائعات الشاي” (النازحات من الحروب) وملاحقة “صانعات المريسة” (مشروب تقليدي وغذاء في بعض الثقافات).
الأفندي يشرب “الويسكي” المستورد في نادي الخرطوم ولا يقبض عليه أحد.
بينما المرأة التي تصنع “المريسة” لتعول أيتامها في أطراف العاصمة، تُجلد وتُسجن وتُهان.
لماذا؟ لأن ثقافتها “غير معترف بها”.
قوانين التشرد (الشماسة): صُممت لسجن الأطفال والشباب الذين شردتهم حروب المركز. بدلاً من علاجهم وتوفير المأوى، سنوا قوانين لرميهم في السجون (الإصلاحيات) التي هي مدارس لتخريج المجرمين.
لقد صمموا القانون بحيث تكون أنت – بمجرد وجودك، وبملابسك، وبعملك البسيط – “مشروع مجرم” ينتظر القبض عليه.
4. حاجز اللغة: العدالة “الصمّاء”
تخيل مواطناً بسيطاً من جبال النوبة أو شرق السودان، لا يجيد العربية الفصحى بطلاقة، يقف أمام قاضٍ “أفندي” يتحدث لغة قانونية معقدة.
المتهم لا يفهم التهمة، ولا يعرف كيف يدافع عن نفسه. والقاضي لا يفهم خلفية المتهم الثقافية.
هذا ليس مشهداً نادراً.. هذا هو المشهد اليومي في محاكم السودان.
لقد جعلوا “اللغة العربية” شرطاً للعدالة.
من لا يملك “اللسان” لا يملك “الحق”.
تحولت المحاكم إلى مسرحيات عبثية، يُساق فيها الأبرياء للسجون لأنهم عجزوا عن “التعبير” عن براءتهم بلغة السيد القاضي.
5. لا قداسة لقانون “الترزية”
هذا الهيكل القانوني المتآكل لا يمكن إصلاحه بـ “تعديلات دستورية” أو “ورش عمل”.
هذا الهيكل بُني على أساس “عنصري وطبقي”.
القانون الذي يحمي القاتل (الحصانة) ويعاقب الضحية.. هو قانون باطل.
القانون الذي يفصل الأرض عن صاحبها.. هو قانون باطل.
القانون الذي يجعل ثقافتي جريمة.. هو قانون باطل.
مشروع التأسيس الجديد يجب ان يهدم القضاء في السودان و بناء قضاء السودان الجديد على انقاضه. ذلك لا يقل اهمه من هدم البازنقر و تأسيس جيش السودان الجديد.
سنكتب “عقداً اجتماعياً” جديداً.
قانوناً يرى “بائعة الشاي” مواطنة منتجة تستحق الدعم، لا مجرمة تستحق الجلد.
قانوناً تكون فيه “العدالة” عمياء عن اللون والقبيلة، لكنها مبصرة جداً للحق



إرسال التعليق