آدم الحاج : أيُّ جيشٍ للسودانِ القادم؟ سؤالُ المؤسسة ودولةِ ما بعدِ الحرب - صوت الوحدة

آدم الحاج : أيُّ جيشٍ للسودانِ القادم؟ سؤالُ المؤسسة ودولةِ ما بعدِ الحرب

عنوان فرعي : قراءة في الخلفية
السياسية للمؤسسة العسكرية ومآلات دورها في بناء الدولة .

مقدمة تحليلية:

لم يعد سؤال الجيش في السودان سؤالًا مهنيًا محصورًا في عقيدة السلاح أو مهام الدفاع الوطني، بل تحوّل إلى سؤالٍ سياسي-دستوري يتصل بجوهر الدولة نفسها: من يحكم؟ وكيف تُدار القوة؟ ولصالح من؟ فالحرب التي انفجرت داخل بنية الدولة لم تكشف فقط هشاشة الترتيبات الانتقالية، بل عرّت أيضًا إرثًا طويلًا من تسييس المؤسسة العسكرية، وغياب الحدود الفاصلة بين الدولة والسلطة، وبين الجيش والسياسة. من هنا يبرز السؤال الجوهري: أي جيشٍ يمكن أن يخدم السودان القادم؟

المحور الأول: الخلفية التاريخية – الجيش من الحارس إلى الفاعل السياسي

منذ الاستقلال، لم يتشكّل الجيش السوداني بوصفه مؤسسة مهنية محايدة خاضعة لسلطة مدنية مستقرة، بل نشأ داخل بيئة سياسية مضطربة، سرعان ما استُدعي فيها الجيش كأداة لـ«حسم الفوضى». ومع تكرار الانقلابات، انتقلت المؤسسة العسكرية من دور الحارس المؤقت إلى الفاعل السياسي الدائم، فتداخلت وظائف الأمن بالحكم، وذابت الحدود بين القرار العسكري والقرار السياسي.

هذا المسار التاريخي لم يكن طارئًا، بل تكرّس بفعل ضعف الأحزاب، وهشاشة الدولة، واستسهال النخب المدنية للاستقواء بالعسكر، ما جعل الجيش جزءًا من الأزمة البنيوية لا مجرد ضحية لها.

المحور الثاني: التسييس والعقيدة – أزمة الهوية المؤسسية

أحد أخطر ما واجه الجيش السوداني هو تشوّه العقيدة العسكرية. فبدل أن تُبنى على حماية الدستور والشعب، أُعيد تشكيلها مرارًا لخدمة أنظمة سياسية وأيديولوجيات حاكمة. هذا

التسييس أنتج:

تعددية مراكز القرار داخل المؤسسة،
تداخلًا بين الانتماء المهني والولاء السياسي،
هشاشة في مفهوم السلسلة القيادية والانضباط المؤسسي.
ومع الزمن، تحوّل الجيش من مؤسسة وطنية جامعة إلى بنية قابلة للانقسام، ما سهّل انفجار الصراع المسلح داخل جسد الدولة نفسه.

المحور الثالث: الحرب وتحولات الدور – من صراع السلطة إلى انهيار الدولة

الحرب الأخيرة لم تكن مجرد صدام عسكري، بل لحظة كاشفة لانهيار النموذج الذي حكم علاقة الجيش بالسياسة. فقد تبيّن أن عسكرة السياسة تُفضي حتمًا إلى تسييس السلاح، وأن غياب المشروع الوطني الجامع يحوّل القوة المسلحة إلى أداة صراع صفري.

في هذا السياق، لم يعد السؤال: من ينتصر عسكريًا؟ بل: ما الذي سيبقى من الدولة بعد توقف القتال؟ وهل يستطيع الجيش – بصيغته الراهنة – أن يكون ركيزة للاستقرار، أم أنه سيظل عامل إعادة إنتاج للأزمة؟

المحور الرابع: الجيش والدولة المدنية – إشكالية الانتقال المعطّل

تعطّل الانتقال المدني في السودان لم يكن نتيجة فشل سياسي فقط، بل نتيجة غياب تصور واضح لإصلاح المؤسسة العسكرية. فالدولة المدنية لا يمكن أن تقوم على جيشٍ غير خاضع للرقابة الدستورية، ولا على مؤسسة ترى نفسها وصية على المجال السياسي.

إن أي تسوية لا تعيد تعريف دور الجيش ضمن عقد اجتماعي جديد، ستظل تسوية هشة، قابلة للانفجار عند أول اختبار للسلطة أو المصالح.

المحور الخامس: سيناريوهات المستقبل – أي جيشٍ ممكن؟
يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
سيناريو إعادة الإنتاج:
عودة الجيش كفاعل سياسي مباشر أو غير مباشر، بما يعني تأجيل الأزمة لا حلّها.
سيناريو التفكك والتشظي:
استمرار ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة، ما يهدد وحدة المؤسسة العسكرية نفسها.
سيناريو إعادة التأسيس الوطني (المنشود):

يقوم على:
إصلاح أمني وعسكري شامل،
عقيدة مهنية خالصة،
خضوع كامل للسلطة المدنية المنتخبة،
دمج السلاح في مشروع دولة القانون.
هذا السيناريو، رغم صعوبته، هو الوحيد القادر على إنقاذ السودان من الحلقة الجهنمية بين الانقلاب والحرب.
خاتمة: الجيش كجزء من الحل لا كبديل للدولة
إن سؤال «أي جيشٍ للسودان القادم؟» هو في جوهره سؤال عن الدولة التي يريدها السودانيون. فإما جيش يحمي السياسة ولا يصنعها، أو مؤسسة تعيد إنتاج الصراع تحت مسميات جديدة. المستقبل لن يُبنى بالسلاح وحده، بل بإرادة سياسية شجاعة تعيد للجيش مكانه الطبيعي: مؤسسة وطنية محترفة في خدمة دولة مدنية ديمقراطية.

إرسال التعليق

لقد فاتك