آدم الحاج : الإسلام السياسي في السودان: بقاء تحت الرماد أم أفول نهائي؟قراءة في مفارقة الموقف المصري
مقدمة تحليلية
منذ اندلاع الحرب في السودان، عاد سؤال الإسلام السياسي إلى واجهة النقاش العام، لا بوصفه فاعلًا أيديولوجيًا صريحًا كما كان في تسعينيات القرن الماضي، بل كقوة كامنة تتحرك من خلف المشهد، مستفيدة من انهيار الدولة، وتفكك البنية المدنية، وتناقضات الإقليم.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز مفارقة لافتة: مصر التي تحارب الإسلاميين بلا هوادة داخل حدودها، تُتهم بدعم – أو على الأقل بالتساهل مع – إسلاميي السودان.
فهل نحن أمام بقاء تحت الرماد، أم أفول نهائي لمشروع الإسلام السياسي في السودان؟ ولماذا تختلف الحسابات المصرية بين الداخل والخارج؟
⸻
أولًا: الإسلام السياسي في السودان… من التمكين إلى الكمون
حكم الإسلاميون السودان لثلاثة عقود عبر نظام عمر البشير، حيث أقاموا نموذجًا سلطويًا جمع بين الأيديولوجيا والدولة الأمنية. ومع سقوط النظام في عام 2019، بدا وكأن المشروع الإسلامي قد تلقى ضربة قاصمة، تمثلت في الرفض الشعبي الواسع، وتفكك التنظيم، وتحميله مسؤولية الانهيار الاقتصادي والحروب، إضافة إلى إقصائه رسميًا من المشهد الانتقالي.
غير أن سقوط السلطة لا يعني نهاية الفكرة أو الشبكات. فقد انتقل الإسلاميون من مرحلة الحكم العلني إلى مرحلة العمل الرمادي، مستفيدين من ضعف القوى المدنية، وصراع المكون العسكري، ثم لاحقًا من الحرب التي أعادت الاعتبار لمن يملكون التنظيم والخبرة داخل مؤسسات الدولة.
⸻
ثانيًا: الحرب كفرصة لإعادة التموضع
مثّلت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 فرصة استراتيجية للإسلاميين السودانيين، إذ أعادت مركزية المؤسسة العسكرية، وهمّشت الخطاب الديمقراطي، وخلقت حاجة إلى كوادر إدارية وأمنية «جاهزة»، وفتحت الباب أمام عودة تحالفات قديمة داخل ما يُعرف بالدولة العميقة.
في هذا السياق، لم يعد الإسلاميون يظهرون بشعاراتهم التقليدية، بل كجزء من خطاب «الحفاظ على الدولة» في مواجهة الفوضى والانهيار، وهو خطاب يجد قبولًا لدى بعض القوى الإقليمية التي تضع الاستقرار – بأي ثمن – فوق اعتبارات التحول الديمقراطي.
⸻
ثالثًا: مفارقة الموقف المصري… لماذا هذا التناقض؟
- مصر تحارب الإسلاميين في الداخل
تنظر الدولة المصرية إلى الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره تهديدًا مباشرًا لبنية النظام السياسي واحتكار الدولة للسلطة والشرعية. لذلك كان الحسم أمنيًا وسياسيًا، دون تسويات أو مقاربات وسطية. - لماذا يختلف الموقف في السودان؟
في الحالة السودانية، تتحرك القاهرة بمنطق براغماتي تحكمه اعتبارات الأمن القومي أكثر من العداء الأيديولوجي، ويمكن تلخيص ذلك في ثلاثة عوامل رئيسية:
أولًا: أولوية الأمن القومي
تخشى مصر من تفكك السودان، أو صعود قوى معادية أو فوضوية على حدودها الجنوبية، إضافة إلى تعقيدات ملف مياه النيل. لذلك تميل إلى دعم أي قوة تراها قادرة على ضبط الدولة، حتى لو كانت ذات خلفية إسلامية.
ثانيًا: الخوف من النموذج المدني الثوري
تنظر القاهرة بريبة إلى القوى المدنية الثورية في السودان، باعتبارها نموذجًا سياسيًا قد يُلهم الداخل المصري، بينما ترى في الإسلاميين السودانيين قوة يمكن احتواؤها والتفاهم معها ضمن ترتيبات تقليدية للسلطة.
ثالثًا: علاقات الدولة العميقة
ترتبط مؤسسات أمنية وعسكرية في البلدين بعلاقات تاريخية، وتملك القاهرة معرفة تفصيلية بالإسلاميين السودانيين تفوق معرفتها بقوى مدنية جديدة لا تزال غير متماسكة أو واضحة الاتجاهات.
⸻
رابعًا: هل الإسلام السياسي مشروع عودة أم نفوذ بلا واجهة؟
رغم كل محاولات إعادة التموضع، تبدو عودة الإسلام السياسي إلى الحكم بصيغته القديمة أمرًا مستبعدًا، بفعل الرفض الشعبي العميق، والانقسام الداخلي بين الإسلاميين أنفسهم، وتغير المزاج الإقليمي والدولي.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل احتمال استمرارهم كقوة مؤثرة من داخل مؤسسات الدولة، أو عبر واجهات جديدة وخطاب أقل أيديولوجية، بما يسمح لهم بلعب دور في إعادة تشكيل السلطة دون الظهور في موقع القيادة المباشرة.
⸻
خامسًا: مآلات محتملة
يمكن تلخيص مستقبل الإسلام السياسي في السودان في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
• بقاء تحت الرماد: نفوذ غير معلن داخل المؤسسات الأمنية والإدارية.
• إعادة تموضع سياسي: عبر تحالفات جديدة وخطاب مختلف.
• أفول تدريجي: في حال نجاح قوى مدنية حقيقية في بناء مشروع وطني جامع.
⸻
خاتمة
الإسلام السياسي في السودان لم ينتهِ، لكنه لم يعد قادرًا على الحكم كما كان. هو اليوم عالق بين ذاكرة فشل ثقيلة، وفرص مؤقتة تصنعها الفوضى والحرب.
أما الموقف المصري، فلا يعكس تناقضًا بقدر ما يجسّد سياسة واقعية ترى في الاستقرار أولوية تتقدم على المبادئ، حتى وإن كان هذا الاستقرار هشًا ومؤقتًا.
ويبقى السؤال الجوهري: هل ينجح السودانيون في إنتاج مشروع وطني يتجاوز الإسلاميين والعسكر معًا، أم سيظل مستقبل البلاد رهين حسابات الإقليم؟


إرسال التعليق