آدم الحاج : السودان في ميزان القوى العالمية:تحليل معمّق في تداخل المصالح الدولية وصراع النفوذ
مقدمة تحليلية:
لم يعد السودان مجرّد دولة منكوبة بأزماتها الداخلية أو ساحة صراع محلي بين أطراف متنازعة على السلطة، بل تحوّل، بفعل موقعه الجيوسياسي الحساس وموارده الاستراتيجية الهائلة، إلى نقطة ارتكاز في ميزان القوى العالمية. ففي اللحظة التي انهارت فيها الدولة المركزية وتفكّكت مؤسساتها، انفتح الفراغ السياسي والأمني على تدخلات إقليمية ودولية متشابكة، جعلت من السودان رقعة صراع صامت – وأحيانًا مكشوف – بين قوى كبرى تسعى لإعادة ترتيب نفوذها في أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
في هذا السياق، تتقاطع المصالح الأمريكية والروسية على الأرض السودانية، لا بوصفها مصالح إنسانية أو التزامًا حقيقيًا باستقرار البلاد، بل باعتبار السودان جزءًا من معادلة أوسع لإدارة الصراع الدولي في عالم يتجه سريعًا نحو التعددية القطبية. الولايات المتحدة تنظر إلى السودان من زاوية احتواء النفوذ الروسي والصيني، وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر، ومنع تشكّل أنظمة خارجة عن منظومة الغرب. في المقابل، ترى روسيا في السودان فرصة استراتيجية لكسر الطوق الغربي، وتوسيع حضورها العسكري والاقتصادي في أفريقيا، عبر الموانئ، والذهب، والتحالف مع قوى الأمر الواقع.
وهكذا، يجد السودان نفسه محاصرًا بين خطاب دولي يرفع شعارات السلام والديمقراطية، وممارسات واقعية تُدار بمنطق المصالح الباردة، حيث تُستخدم الحرب كورقة ضغط، وتُؤجَّل الحلول الوطنية لصالح تسويات تخدم توازنات القوى الكبرى لا تطلعات الشعب السوداني. إن فهم الأزمة السودانية اليوم لم يعد ممكنًا دون تفكيك هذا التشابك الدولي، وقراءة موقع السودان الحقيقي في ميزان القوى العالمية، بوصفه دولة تُصارع من أجل البقاء في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك أوراق القوة.
أولًا: الخلفية الجيوسياسية لموقع السودان
يحتل السودان موقعًا استثنائيًا في الخريطة الجيوسياسية العالمية؛ فهو بوابة بين شمال أفريقيا وعمقها، وجسر يربط بين القرن الأفريقي والعالم العربي، ويطل – بشكل غير مباشر – على أحد أهم الممرات البحرية في العالم عبر البحر الأحمر. هذا الموقع، مضافًا إليه اتساع رقعته الجغرافية، وامتلاكه موارد طبيعية ضخمة على رأسها الذهب والأراضي الزراعية، جعله تاريخيًا محل أطماع خارجية، لكنه اليوم أكثر عرضة للتدخل بفعل انهيار الدولة وتفكك السلطة المركزية.
في لحظات الاستقرار النسبي، كانت الدولة السودانية قادرة – ولو جزئيًا – على إدارة توازناتها الخارجية. أما في ظل الحرب والانقسام، فقد أصبح السودان ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية، حيث تُدار الصراعات بالوكالة، وتُوظَّف الانقسامات الداخلية لخدمة أجندات خارجية.
ثانيًا: المصالح الأمريكية في السودان
تنطلق المقاربة الأمريكية تجاه السودان من ثلاثة محددات
رئيسية:
الأمن الإقليمي والبحر الأحمر:
تنظر واشنطن إلى السودان كحلقة أساسية في أمن البحر الأحمر، الذي يُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية والطاقة. أي نفوذ روسي أو صيني متقدم في هذا الإقليم يُنظر إليه كتهديد مباشر للمصالح الغربية.
احتواء النفوذ الروسي والصيني:
لا تتعامل الولايات المتحدة مع السودان بمعزل عن صراعها العالمي مع موسكو وبكين. فالسودان، في الرؤية الأمريكية، ساحة متقدمة لمنع تمدد خصومها، وليس أولوية مستقلة بذاتها.
إدارة الانتقال السياسي دون خسارة النفوذ:
رغم الخطاب الداعم للديمقراطية والحكم المدني، غالبًا ما تتقدم البراغماتية السياسية على المبادئ. فالولايات المتحدة تميل إلى تسويات “واقعية” تضمن الاستقرار النسبي، حتى لو جاءت على حساب تحول ديمقراطي حقيقي.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة أضعف الثقة الشعبية في الدور الأمريكي، وجعل كثيرين يرون واشنطن كطرف يدير الأزمة أكثر مما يسعى لحلها جذريًا.
ثالثًا: المصالح الروسية وأدوات النفوذ
في المقابل، تنظر روسيا إلى السودان من زاوية استراتيجية مختلفة، لكنها لا تقل براغماتية:
كسر العزلة الدولية:
يمثل السودان منفذًا مهمًا لروسيا نحو أفريقيا والبحر الأحمر، خاصة في ظل الضغوط الغربية المتزايدة عليها.
الموارد الطبيعية – الذهب نموذجًا:
يشكل الذهب السوداني أحد أهم أدوات النفوذ الروسي غير المعلنة، سواء عبر شركات أمنية أو شبكات مصالح اقتصادية مع قوى محلية.
الحضور العسكري والسياسي:
تسعى موسكو إلى موطئ قدم عسكري في البحر الأحمر، يمنحها قدرة على المناورة الاستراتيجية وموازنة النفوذ الغربي في المنطقة.
تعتمد روسيا على مقاربة تقوم على دعم قوى الأمر الواقع، وعدم الاكتراث بطبيعة الأنظمة، ما دامت تحقق مصالحها. وهذا يجعلها شريكًا “مريحًا” لبعض الأطراف المحلية، لكنه شريك يعمّق الأزمة بدل حلّها.
رابعًا: السودان كضحية لصراع المصالح لا كأولوية دولية
المفارقة الكبرى أن السودان، رغم حضوره المكثف في خطابات القوى الكبرى، ليس أولوية إنسانية أو سياسية بحد ذاته. فهو
يُختزل في كونه:
ورقة ضغط في الصراع الدولي
ساحة اختبار لنفوذ القوى الكبرى
ملفًا يُدار بسياسة الحد الأدنى من الاستقرار
نتيجة لذلك، تُؤجَّل الحلول الجذرية، ويُعاد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، بينما يدفع الشعب السوداني ثمن هذا الصراع عبر الحرب، والنزوح، والانهيار الاقتصادي.
خامسًا: انعكاسات الصراع الدولي على الحرب السودانية
أدى تضارب المصالح الدولية إلى:
إطالة أمد الحرب عبر غياب ضغط دولي حاسم
تعدد المبادرات دون امتلاك إرادة تنفيذ حقيقية
تحويل مسارات التفاوض إلى منصات مساومة دولية
وهكذا، لم تعد الحرب مجرد صراع داخلي، بل أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية ودولية معقدة، تُدار بعقلية “إدارة الأزمة” لا “إنهائها”.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة ومآلات الأزمة
يمكن تلخيص المآلات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
استمرار الحرب منخفضة الوتيرة:
مع بقاء السودان ساحة صراع مفتوحة، دون حسم عسكري أو سياسي.
تسوية مفروضة خارجيًا:
تُحقق توازن مصالح دولية، لكنها لا تعالج جذور الأزمة، مما يجعلها تسوية هشة.
استعادة المبادرة الوطنية:
وهو السيناريو الأصعب، لكنه الوحيد القادر على إنقاذ السودان، عبر مشروع وطني مستقل يُعيد تعريف العلاقة مع الخارج على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية.
خاتمة
إن وضع السودان في ميزان القوى العالمية يكشف حقيقة مؤلمة: العالم لا يتحرك بدافع الأخلاق، بل وفق حسابات المصالح. غير أن هذه الحقيقة، على قسوتها، يجب أن تكون دافعًا للسودانيين لإعادة بناء مشروعهم الوطني، وكسر رهانات الخارج، واستعادة الدولة من كونها ساحة صراع إلى فاعل يمتلك قراره. فالتاريخ لا يرحم الدول التي تفقد بوصلتها، لكنه ينصف الشعوب التي تدرك موقعها وتعيد صياغة مستقبلها بوعي وإرادة.


إرسال التعليق