عمار سعيد : مسيّرات تُسقَط كاملة… وأخرى تُصيب بدقّة: ماذا تقول السماء عن ميزان القوة في حرب السودان؟ - صوت الوحدة

عمار سعيد : مسيّرات تُسقَط كاملة… وأخرى تُصيب بدقّة: ماذا تقول السماء عن ميزان القوة في حرب السودان؟

لم تعد الحرب في السودان تُقرأ فقط من خرائط التماس على الأرض. السماء نفسها صارت ساحة رسائل سياسية وعسكرية مكتملة الأركان. فحين تُسقَط مسيّرات متطورة «سليمة تقريبًا»، وحين تُنفَّذ في الوقت ذاته ضربات مسيّرة دقيقة تُربك غرف القيادة، فإننا أمام تحوّل نوعي في ميزان القوة، لا حدثٍ عابرٍ أو صدفةٍ ميدانية.

خلال الفترة الأخيرة، تكرّست صورتان متوازيتان: إسقاطات متتالية لمسيرات في محاور دارفور وكردفان، واستهدافات مركّزة عالية الدقّة وصلت إلى قلب مراكز القرار العسكري. بين الصورتين، تتشكل لغة حرب جديدة عنوانها التفوّق التقني، ومعناها السياسي أوضح من أي بيان.

إسقاط «أكنجي»: حين يصبح الدفاع رسالة

إسقاط طائرة مسيّرة متقدمة من طراز «أكنجي» ليس تفصيلاً فنياً. هذه منصة صُمِّمت لتفرض الهيمنة من ارتفاعات ومسافات بعيدة، وتراهن عليها الجيوش لتأمين الاستطلاع وإدارة الضربات بأقل مخاطرة. إسقاطها—وبصورة تُظهر السيطرة على الموقف—يعني شيئًا واحدًا: نضجٌ في منظومات الرصد والاعتراض والتشويش والدفاع الجوي، وقدرة على تحييد رهان التفوق الجوي لدى الخصم.

سياسيًا، كل إسقاط ناجح من هذا النوع هو ضربة في سردية القوة قبل أن يكون ضربة في مخزون السلاح. إنه إعلان بأن السماء لم تعد حكرًا، وأن ميزان الردع تغيّر.

سنجة: ضربة تُعيد تعريف «الأمان»

في المقابل، جاء الاستهداف المسيّر لاجتماع عسكري في مدينة سنجة بولاية سنار ليؤكد الوجه الآخر للتحول: الاستهداف الاستراتيجي المركّز. هنا، تُستخدم المسيّرة كأداة لإرباك القيادة والسيطرة، وإيصال رسالة قاسية مفادها أن «غرف الاجتماعات» لم تعد مناطق آمنة.

غير أن الدقة—مهما بلغت—تظل سلاحًا ذا حدّين. فحرب المسيّرات، إن لم تُضبط بأولوية صارمة لحماية المدنيين، تحمل مخاطر عالية على المجتمعات، وتفتح الباب أمام أذى جانبي لا تُمحى آثاره بالتصريحات. التفوق الحقيقي ليس في كثافة الضربات، بل في ضبط استخدامها ضمن رؤية سياسية واضحة تُقدّم الإنسان على الاستعراض.

معركة الرواية: من يملك السماء يملك المعنى

ليست هذه حرب أجهزة فقط، بل حرب روايات. من يُسقط مسيّرات يقول لجمهوره: «نحمي سماءنا». ومن ينفّذ ضربات دقيقة يقول: «نصل إلى قلب منظومتكم». وبين القولين، تتكشّف حقيقة أعمق: التكنولوجيا أصبحت لغة السياسة الجديدة.

في السودان، حيث تسعى قوى بعينها—تحت عباءة أيديولوجية—لاستعادة السلطة عبر الحرب، يُشكّل هذا التحول تهديدًا مباشرًا لرهانات قديمة بُنيت على احتكار الدولة والسلاح والخطاب. فحين تهتزّ الركيزة الجوية، تتصدّع معها قدرة التعبئة، ويظهر عجز الخطاب الذي يبرّر القتل باسم «الدولة» أو «الدين».

تحالف تأسيس: بسالة بعقلٍ مفتوح

من منظور داعم لتحالف السودان التأسيسي، تكشف هذه الوقائع عن فارق جوهري: بسالة لا تُدار بعقلٍ قديم. ليست المسألة استدعاء تاريخٍ أو استعارة بطولاتٍ رمزية، بل امتلاك أدوات العصر: تعلّم سريع، خبرات متخصصة، وقدرة على تكييف التكنولوجيا مع شروط الواقع السوداني القاسي.

هذا الفارق هو ما يربك خصوم الأمس: من يراهنون على دولة قديمة بعقل الغنيمة، وعلى حرب تُدار بالشعار والاستعلاء، يجدون أنفسهم أمام خصم يقرأ الحاضر بلغة العلم والخبرة، ويُدرك أن الشرعية تُبنى بحماية المجتمع لا بإخضاعه.

الرهان الخاسر: استثمار خارجي في حرب بلا أفق

الأخطر من كل ذلك أن استمرار ضخ السلاح والدعم الإعلامي لتبرير القتل—خاصة ضد المدنيين في بوادي كردفان ودارفور—ليس فقط جريمة أخلاقية، بل رهان استراتيجي خاسر. تسليح نزاع متعدد الأطراف يخلق تهديدًا إقليميًا يتجاوز السودان، ويحوّل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات تحت عناوين زائفة. التاريخ القريب والبعيد يعلّم أن من يشعل الحرائق لن ينجو من دخانها.

خياران لا ثالث لهما

السودان ليس مسرحًا لحرب الآخرين، ولا مختبرًا لإعادة تدوير سلطة لفظها الشارع. السماء التي أسقطت مسيّرات، والأرض التي رفضت الوصاية، تقولان إن زمن الاحتكار انتهى. أمام البرهان ومن يقفون خلفه خياران لا ثالث لهما: عقلٌ سياسي يُنهي آلة الاستنزاف ويعيد الدولة للشعب، أو حربٌ تُسرّع انهيار الشرعية وتترك للتاريخ مهمة كتابة فاتورة الحساب.

في هذه اللحظة الفاصلة، لا تُقاس القوة بعدد الطائرات فقط، بل بوضوح الرؤية: من يقاتل ليحكم الناس بالقهر، ومن يقاتل ليُنهي القهر. وبين الخيارين، سيختار السودان—شعبًا وأرضًا—ما يحفظ الحياة ويصون المستقبل.

إرسال التعليق

لقد فاتك