آدم الحاج : الدولة المخطوفة بين نخب الأمس وأحلام الغد - صوت الوحدة

آدم الحاج : الدولة المخطوفة بين نخب الأمس وأحلام الغد

لايمكن فهم مايعيشه السودان اليوم حروب وانهيار مؤسسي
بمعزل عن أزمة عميقة ومزمنة تتعلق بطبيعة النخب الحاكمة
وكيفية إدارتها للدولة عبر عقود طويلة، فالمشكلة ليست وليدة
لحظة سياسية بعينها، ولا نتاج صراع عسكري آني، بل هي حصيلة تراكم تاريخي ،لإختطاف الدولة من قبل نخب تقليدية أعادت إنتاج نفسها، وأغلقت المجال أمام الأجيال الجديدة، حتي تحولت الدولة من إطار جامع إلي ساحة صراع مفتوح .

لقد تعاملت نخب الأمس مع السلطة بوصفها إمتيازا دائما لاعقدا إجتماعيا مؤقتا، ومع الدولة بإعتبارها غنيمة لامؤسسة عامة. هذا الفهم المختل للحكم أضعف الشرعية السياسية، وقوض مؤسسات الدولة وعمق الإقصاء ، لاسيما في بلد متنوع كالسودان لايمكن إدارته إلا علي أساس الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية.

في المقابل ظل الشباب وهم الأغلبية السكانية خارج دوائر إتخاذ القرار، ، رغم أنهم الأكثر تضررا من الحروب والإنهيار الإقتصادي والأكثر حضورا في لحظات التحول. هذا الإقصاء المنهجي لم يكن مجرد خلل سياسي بل تحول إلي عامل بنيوي لعدم الإستقرار إذ خلق قطيعة خطيرة بين الدولة والمجتمع وبين الحاكم والواقع الإجتماعي المتغير .

إن غياب التداول الحقيقي للسلطة وإحتكار القرار داخل دوائر ضيقة أفقد النظام السياسي قدرته علي التجدد فالنخب التي أخفقت في بناء دولة عادلة لم تفسح المجال لغيرها ، بل عملت علي تعطيل الإنتقال أو تفريغه من مضمونه خوفا علي مواقعها ومصالحها وهكذا اصبحت الدولة كيانا هشا عاجزا عن إدارة التنوع أو إحتواء الأزمات، أو إنتاج سلام مستدام.

وفي ظل هذا الفراغ تمددت النزاعات المسلحة بسهولة. فحين تغيب السياسة بمعناها الحقيقي ، يحضر العنف بديلا، وحين نغلق قنوات المشاركة السلمية، يصبح السلاح لغة قسرية للتعبير. من هنا لايمكن فصل الحروب المتكررة في السودان عن فشل النخب النخب في تجديد مشروع الدولة ، ورفضها الإعتراف بحق الأجيال الجديدة في القيادة وصنع القرار.

أحلام الغد التي يحملها الشباب السوداني لاتقتصر علي تغيير الوجوه ، بل تتجاوزها إلي إعادة تعريف الدولة ذاتها ، دولة القانون لا الإمتياز ، دولة المواطنة لاالمحاصصة ، دولة المؤسسات لا الأفراد. غير أن هذه الرؤية تصطدم بجدار من المصالح القديمة التي تري أي تحول حقيقي تهديدا مباشرا لنفوذها.

إن إختطاف الدولة لايتم فقط عبر السيطرة علي السلطة. بل كذلك عبر تعطيل الإصلاح ، وإفراغ الشعارات من مضمونها ، وإعادة تدوير الأزمات لإطالة أمد الهيمنة. وبهذا لايسمح له بالقدوم. ومن هنا نلاحظ أن حراك ثورة ديسمبر عندما وصل إلي نقاش ورقة الإصلاح الامني والعسكري وإعادة الدمج(DDR) قامت قيامة الحرب في هذا السودان واجهضت حلم الإنتقال السلمي .

والخروج من هذآ المأزق التاريخي لايكون بتسويات هشة أو تقاسم مؤقت للسلطة ، بل بمشروع وطني جديد يعيد الإعتبار للتداول، ويفتح أمام الشباب والكفاءات، ويؤسس لشرعية قائمة علي الكفاءة والمساءلة لا علي الأقدمية والولاءات .

فإما أن تستعيد الدولة نفسها من قبضة نخب الأمس وتفسح الطريق لأحلام الغد ، أو يظل السودان يدور في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الصراع بأدوات مختلفة ووجوه متشابهة.

إرسال التعليق

لقد فاتك