احمد موسى : الحمادي تُستباح… وسقوط كذبة الجيش الوطني والوجدان الواحد
في مدينة الحمادي، بمحلية القوز في جنوب كردفان/ جبال النوبة، استباح الجيش السوداني – عبر كتائب تابعة للبرهان – المدينة وأهلها لمدة ساعة كاملة. ساعة واحدة كانت كافية لزهق أرواح عزيزة، لا لشيء سوى بدافع الانتقام والعقاب الجماعي. لم تكن معركة، ولم يكن اشتباكًا، بل كانت جريمة مكتملة الأركان بحق مدنيين عُزّل.
ما جرى في الحمادي ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من الوحشية الممنهجة، التي تؤكد أن هذا الجيش، أو على الأقل بنيته المهيمنة، لا يعمل بعقيدة وطنية، بل بعقلية انتقامية، تقتل على أساس الهوية والجغرافيا، وتتعامل مع بعض السودانيين باعتبارهم فائضًا عن الوطن.
الأخطر من الجريمة نفسها هو الصمت الذي تلاها. استمر الجيش في وحشيته، ولم يتحرك كثيرون من بقية أنحاء السودان، لا غضبًا، ولا رفضًا، ولا ضغطًا حقيقيًا. هذا الصمت ينسف تمامًا سردية “الوجدان الواحد” التي يتم الترويج لها، ويكشف أن الوطن، كما يُدار اليوم، ليس وطنًا للجميع، بل خريطة غير متكافئة للدم والنجاة.
كيف يمكن الحديث عن وطن واحد، بينما تُستباح مدن بعينها دون أن يهتز الضمير العام؟
كيف تُرفع شعارات الوحدة، بينما تُترك الحمادي وأمثالها وحدها في مواجهة الرصاص والموت؟
الحقيقة المرة أن الجيش الذي يقدّم نفسه كحارس للدولة، تحوّل في نظر قطاعات واسعة من الشعب إلى أداة قمع وترويع. بدل أن يحمي المواطنين، بات يقتلهم، وبدل أن يوحّد البلاد، يعمّق الانقسام، وبدل أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، صار رمزًا للظلم والتمييز.
إن ما يحدث في الحمادي يفضح ليس فقط سلوك الجيش، بل فشل الدولة بأكملها: فشل النخب، فشل الخطاب الوطني، وفشل فكرة العدالة المتساوية. فالدولة التي لا تحمي جميع مواطنيها، ولا تحاسب قتلتهم، ليست دولة، بل سلطة عارية من الشرعية.
دماء أهالي الحمادي ليست هامشية، وليست “أضرارًا جانبية”. هي شهادة دامغة على أن السودان يعيش استقلالًا منقوصًا، ووطنًا مختلًا، وجيشًا لم يُحسم بعد سؤاله الأساسي: لمن يعمل؟ ومن يحمي؟
لا وطن بلا عدالة،
ولا جيش وطني بلا محاسبة،
ولا وجدان واحد ما دامت بعض المدن تُذبح، والبقية تلوذ بالصمت



إرسال التعليق