الشيخ يونس : قصائد “الإعجاب” وأزمة المعنى: كيف أعادت منصات التواصل والمنصات الرقمية تشكيل الذائقة الشعرية؟
في السابق كان الطريق إلى القصيدة يمر عبر بوابات كثيرة حتى يصل إلى القارئ او المتلقي، أما اليوم فقد انهارت الكثير من الجدران بين الشاعر وجمهوره، وأصبح النص الشعري رهين خوارزميات صماء، تُعلي من شأن “التريند” وتهمّش العمق الجمالي، مما أدخلنا في نفق يمكن تسميته بـ “أزمة التلقي الرقمي”.
تحولات النص: من “الديوان” إلى “البوست”:
لم تكتفِ منصات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية الأخرى (فيسبوك ،تويتر، تيك توك، إنستغرام ..الخ) بكونها وسيلة نشر فقط، بل تحولت إلى “مختبر” يعيد صياغة بنية القصيدة فالإيقاع السريع لهذه المنصات فرض على الشاعر نمط معين من القصائد؛ لم يعد المتلقي الذي يمرر إصبعه على الشاشة بسرعة فائقة، يملك الوقت غالباً لقراءة معلقة أو قصيدة مطولة تتطلب تأملاً.
هذا التحول أدى إلى بروز ظاهرة “تسطيح المضمون”؛ حيث يتم التركيز على الجمل البراقة التي تصلح كـ “اقتباس” (Quote) للصور الشخصية، على حساب القيمة الفنية و الصور الشعرية.
أزمة التلقي: سلطة الجمهور البديل:
في الفضاء الرقمي، تراجع دور “الناقد الحصيف” ليحل محله “المتابع العابر”، وهنا تكمن الأزمة؛ إذ أصبح معيار جودة النص يقاس بعدد الإعجابات (Likes) وإعادة التغريد (Retweets).
ديكتاتورية التفاعل: يجد الشاعر نفسه مدفوعاً – لا شعورياً – للكتابة بما يرضي ذائقة “الجمهور العام” ليضمن الانتشار، مما يؤدي إلى تكرار الثيمات العاطفية المستهلكة وكتابة شعر تقريري وسطحي والابتعاد عن التجريب والتجديد.
غياب الفلترة الأدبية: أدى “النشر المفتوح” إلى اختلاط الغث بالسمين والجيد بالردئ؛ فباتت الخواطر الركيكة تُصنف بوصفها شعراً، مما شتت ذائقة الجيل الجديد الذي لم يعد يفرق بين البلاغة الحقيقية وبين “الضجيج اللغوي”.
شعرية الصورة.. هل هي إنقاذ أم إغراق؟:
على منصات مثل “تيك توك” و”سناب شات”، استعاد الشعر هويته الشفهية القديمة، لكن بحلة بصرية؛ أصبح الإلقاء، والموسيقى التصويرية، وزوايا التصوير جزءاً لا يتجزأ من القصيدة ،ورغم أن هذا جذب جمهوراً شاباً لم يكن يقرأ الشعر، إلا أنه حوّل القصيدة من “نص يُقرأ ويُتأمل” إلى “محتوى يُستهلك بصرياً”، مما أفقد الكلمة هيبتها وسحرها التخيلي.
مكاسب لا يمكن إنكارها: ماذا أعطت وسائل التواصل للشعر؟:
رغم كل ما ذكر سابقًا إلا أن تجارب الشعر عبر وسائل التواصل لا يمكن لنا حصرها في الجوانب السلبية
فهناك الكثير من الإيجابيات و المكاسب التي لا يمكن إنكارها.
أولًا: كسر إحتكار النشر؛ فقد أتاحت هذه الوسائل للشعراء الشباب خصوصًا البعيدين عن المراكز الثقافية فرصة الظهور دون الحوجة للمؤسسات المغلقة أو علاقات النخبة؛ العديد من الأصوات الجديدة ما كانت لتُسمع إلا بفضل هذا الفضاء المفتوح.
ثانيًا: توسيع قاعدة التلقي أصبح الشعر يصل إلى جمهورٍ لم يكن يقرأ الدواوين أصلاً؛ وربما فيديو لقصيدة قصيرة على إنستغرام أو فيديو لقصيدة على تيك توك بمثابة البوابة الأولى لقارئ جديد يكتشف الشعر لاحقًا في أشكاله الأكثر عمقًا.
ثالثًا: إعادة إحياء البعد الشفهي للشعر؛ فالإلقاء الجيد أعاد للكلمة حضورها الصوتي، وذكرنا بأن الشعر العربي نشأ مسموعًا قبل أن يُدوَّن؛ هذا الحضور الصوتي عندما يُستخدم بوعي قد يضيف طبقة تعبيرية جديدة للنص، و لا أن يلغي جوهره.
نحو ذائقة رقمية واعية:
لا نستطيع بأي شكل من الأشكال الوقوف في وجه التقدم التقني ، ولا يمكننا حجود الدور الجليل الذي قدمته وسائل التواصل والمنصات الرقمية بجعله يصل إلى الجميع وبسرعة كبيرة؛ لكن الحل يكمن في إيجاد (نقد رقمي) -إن جاز التعبير- يواكب هذا التقدم والتطور ،ونقاد يخرجون من صوامعهم الأكاديمية ليتفاعلوا مع هذا المحتوى الرقمي ويساعدوا المتلقي على معرفة وتمييز القيمة الجمالية الحقيقية وسط ركام هذه المنشورات.
ختامًا:
إن الشعر العربي، الذي نجا من التقلبات والتغيير عبر القرون، لن تقتله “خوارزميات” بالطبع ولكن الخطر الحقيقي يكمن في إستسلام الشاعر لرغبة الإنتشار والوصول السريع على حساب القيمة الفني ؛القصيدة العظيمة هي التي تستطيع أن تخطف انتباهك ولو كانت قصيرة وموجزة ، وتظل تدهشك كل مرة تعيد قراءتها أو سماعها.



إرسال التعليق