عزيز الدودو : النفط أغلى من الدم
هكذا عودتنا السلطة المركزية على إسترخاص أرواح ودماء الشعب السوداني طيلة عمر الدولة السودانية ما بعد الاستقلال منذ عام 1956م.
لقد أدركنا خلال هذه الحقبة الجهنمية حقيقة ما يسمى بـ”الجيش السوداني”، الذي أُسس ووظف لقهر الشعب السوداني على يد المستعمر قبل تأسيس الدولة نفسها، مما يؤكد تبعية هذه المؤسسة للسلطة الاستعمارية التركية أولاً ثم البريطانية لاحقاً. حتى في أيام الثورة المهدية التي قاومت المستعمر، كان الجيش السوداني، أو “قوة دفاع السودان” آنذاك، يقاتل في صفوف المستعمر ضد الثورة الوطنية.
فقد بقيَت عقيدة الجيش خاضعة للأجندة الاستعمارية حتى بعد خروج المستعمر، وظلت المؤسسة العسكرية تنظر إلى الشعب السوداني، وشعوب الهامش على سبيل المثال، كأعداء وليس كأمة من واجبها التضحية والفداء في سبيل حمايتها والدفاع عن أرضها. وبدلاً من ذلك، استمر الجيش في بطشه وقمعه للشعوب السودانية، وكأنه ما زال يعمل تحت الوصاية الاستعمارية ذاتها.
ويتجسد هذا الموقف المُعادِ للشعب في وضوح صارخ هذه الأيام. ففي الأسبوع الماضي، انسحب الجيش السوداني من مقر الفرقة 22 في ابنوسة واللواء 90 في هجليج، وذلك في ضوء اتفاق ثلاثي بين قوات الدعم السريع والجيش وحكومة جنوب السودان، بهدف حماية أنابيب النفط وآبار البترول. المفارقة المؤلمة هنا أن هذا الانسحاب والتفاوض تمَّ من أجل حماية منشآت نفطية، بينما يُرفض في الوقت ذاته التفاوض الجاد من أجل إيقاف الحرب ووقف نزيف الدماء. إنها مفارقة صارخة تؤكد، مرة أخرى، أن أولوية السلطة الإنقلابية ليست حماية المواطنين.
بل إن الأمر تجاوز الإهمال إلى الحَجْر على حق الناس في النجاة بأنفسهم. فقد وصل الحد ببعض القوى إلى منع خروج المواطنين من مدينتي كادقلي والدلنج المحاصرتين، رغم التهديد باقتراب اجتياحهما. يصرُّ الجيش والمليشيات المتحالفة معه على المتاجرة بأرواح المواطنين ورهنها، في محاولة لتكرار سيناريو الفاشر. ولدرجة أن قائد مليشيا “درع السودان”، كيكل، هدد صراحةً بضرب النازحين إذا حاولوا الهروب من مناطق الخطر.
هذه الواقعة ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة، ولكنها تكثف جوهر العلاقة المختلة بين السلطة الإنقلابية والشعب: التفاوض مُتاحٌ ومُستعجلٌ حين يكون الهدف حماية أنابيب النفط التي تجري فيها الثروة، ويصبح متعذراً وبطيئاً حين يكون الهدف إنقاذ الدماء والأرواح البشرية التي تجري فيها الحياة. إنها معادلة تقول بكل وقاحة: النفط أغلى من الدم. والسؤال الذي يفرض نفسه على كل ضمير حي: أي وطن هذا، الذي تُصان مواسيره وتُهدر أرواح أبنائه؟ وأي جيش هذا، الذي يتعاون لإنقاذ آبار النفط ، ويُعرض عن التعاون لإنقاذ أرواح البشر؟



إرسال التعليق