حسن علي سنهوري : التنمية الزراعية من اجل السلام في السودان - صوت الوحدة

حسن علي سنهوري : التنمية الزراعية من اجل السلام في السودان

التخطيط الزراعي وتحديات الهوية

مقدمة: الرابط الخفي بين أزمة الهوية وفشل التنمية

في المقالات السابقة، طرحنا فرضية مفادها أن إخفاق السياسات الزراعية في السودان بعد الاستقلال لم يكن مجرد فشل تقني أو اقتصادي، بل كان تجليًا مباشرًا لـ “العقلية الاستخلاصية” التي ورثتها النخب الحاكمة عن الحقبة الاستعمارية. هذه العقلية، التي تختزل موارد البلاد إلى مجرد أدوات لتوليد الإيرادات للمركز، هي نفسها التي غذّت سياسات التهميش وعمّقت أزمة الهوية الوطنية. لقد كان الأمر “فشلاً في الخيال” بقدر ما كان فشلاً في الإدارة.

كما أوضحنا سابقًا، يشكل القطاع الزراعي نظامًا يتأثر ويتفاعل مع نظام الدولة الأكثر تعقيدًا. وقبل أن نعرض رؤيتنا للتنمية الزراعية من أجل السلام، سنستعرض في هذا المقال وما يليه أطروحة مركزية مفادها أن إخفاقات السياسات الزراعية في السودان هي انعكاس مباشر لأزمة هوية متجذرة لم تُحلّ بعد. وتعود كلتا الأزمتين، أزمة الهوية وأزمة التنمية الزراعية، إلى إرث استعماري واحد عمل بوعي على هندسة الانقسام الاجتماعي من جهة، وتأسيس منطق الاستغلال الاقتصادي من جهة أخرى. هذا الإرث لم ينتهِ بالاستقلال، بل ورثته النخب الوطنية وأعادت إنتاجه ضمن صراعاتها الأيديولوجية..

المخطط الاستعماري: هندسة الانقسام الاقتصادي والاجتماعي

إن فهم الحقبة الاستعمارية ليس مجرد استرجاع لفترة تاريخية ماضية، بل هو ضرورة استراتيجية لاستيعاب الأسس التي قامت عليها الدولة السودانية الحديثة. لم يكن الحكم الاستعماري مجرد احتلال عسكري، بل كان مشروع “هندسة اجتماعية” مُمنهجًا فكك النسيج الاجتماعي القائم وأعاد تشكيل الاقتصاد لخدمة مصالحه، مخلفًا وراءه دولة ذات بنية مشوهة ومعرضة للصراع المستمر.

كانت “القبيلة” قبل الاستعمار كيانًا اجتماعيًا مرنًا ومتداخلًا، لكن الإدارة البريطانية حولتها إلى “هوية إدارية” جامدة تفرضها الدولة. كما رسّخت الإدارة رواية تاريخية قسمت المجتمع إلى فئتين متميزتين: “الزنوج” باعتبارهم السكان الأصليين، و”العرب” بصفتهم مهاجرين وافدين. لم تعكس هذه التصنيفات واقع التزاوج الثقافي والعرقي المعقد، بل خلقت تسلسلاً هرميًا عنصريًا خدم سياسات الحكم غير المباشر وأرست قواعد التمييز اللاحق. وقد فرض الاستعمار واقعًا جغرافيًا وسياسيًا مصطنعًا، متجذرًا في أيديولوجية عنصرية صورت الشمال على أنه “عربي مرتبط بالحضارة والتفوق”، بينما صُنّف الجنوب على أنه “أفريقي” وأُقصي إلى هوية منفصلة ودنيا. وبهذا، لم يزرع الاستعمار بذور الصراع المستقبلي فحسب، بل ربط هذا الفصل العرقي بالفصل الاقتصادي؛ حيث تركزت موارد التنمية لاحقًا (مثل المشاريع المروية) في الشمال “العربي”، بينما تُرِك الجنوب والأطراف “الأفريقية” لنموذج الكفاف.

لقد أسفر هذا المخطط المزدوج عن دولة ذات بنية مشوهة: مجتمع منقسم بهويات مُصطنعة، واقتصاد غير متوازن يعزز المركز ويهمّش الأطراف..

إرث ما بعد الاستقلال: استمرارية النهج الإقصائي 

عندما استقل السودان عام 1956، لم يرث دولة وطنية موحدة، بل ورث بنية إدارية عززت التهميش، وهويات مصطنعة ومتصارعة، وحدوداً داخلية وخارجية لم تكن عاكسة للواقع الاجتماعي. شكّل هذا الإرث السام الأساس الذي انطلقت منه إخفاقات نخب ما بعد الاستقلال، يكمن الفشل الجوهري لهذه النخب في أنها لم تعمل على تفكيك الإرث الاستعماري، بل أعادت إنتاجه وتوظيفه لخدمة مشاريعها الأيديولوجية المتصارعة والإقصائية. فبدلاً من بناء هوية وطنية جامعة تحتضن التنوع، انخرطت في صراع مرير لفرض رؤية أحادية. هذا العجز المستمر في التصور عمّق الانقسامات وأهدر طاقات البلاد، وأفضى إلى ظهور ما يمكن وصفه بـ “الشخصية المهدرة” (wasted personality) على المستوى الوطني، حيث أُهملت الإمكانيات والقدرات حتى ذبلت وماتت.

أدى التنافس بين المشاريع الأيديولوجية الإقصائية التي تبنتها النخب إلى فشل ذريع في بناء هوية وطنية جامعة، وكان سبباً مباشراً في تأجيج الحروب الأهلية وتفكيك الدولة. بدأت هذه المسيرة مع نظام الفريق إبراهيم عبود الذي فرض هوية عربية إسلامية قسرية، الأمر الذي عمّق الشعور بالظلم. واستمر هذا التوجه خلال المرحلة الديمقراطية التي تلت ثورة أكتوبر، وترسخ بشكل أعمق بعد انقلاب مايو الذي انتهج منهج القومية العربية الاشتراكية. وفي سنواته الأخيرة، وبتأثير من جماعات الإخوان المسلمين، فُرضت هوية إسلامية سياسية تعمقت جذورها مع انقلاب الحركة الإسلامية في 30 يونيو 1989.

لقد ساهمت المشاريع الأيديولوجية الكبرى التي تنافست على تعريف السودان، كلٌ بطريقته، في تكريس إرث مزدوج من الإقصاء الاجتماعي والتهميش التنموي. فمشروع القومية العربية فرض هوية أحادية قسرية تحت شعار “لغة واحدة ودين واحد”. وظهر تأثير هذا المشروع بوضوح مع انقلاب مايو وتوجهه نحو المنهج الاشتراكي للقومية العربية، مما أدى إلى تهميش المكونات غير العربية والإثنية. تطلب هذا المشروع السياسي المركزي محركاً اقتصادياً مركزياً واستخلاصياً لتمويله، مما جعل النموذج الزراعي الاستعماري ليس مجرد إرث مريح، بل ضرورة سياسية للحفاظ على السلطة في المركز. وتأثرت السياسة الزراعية بالتركيز المستمر على المشاريع الكبرى الموروثة من الاستعمار (مثل الجزيرة والرهد) لخدمة الاقتصاد الوطني المركزي، مع إهمال شبه كامل لمناطق الأطراف والزراعة التقليدية.

أما مشروع الإسلام السياسي، الذي هدف إلى إعادة بناء الدولة على أساس هوية “الأغلبية المسلمة”، فقد أدى إلى فرض قوانين الشريعة الإسلامية في عام 1983، مما عمّق الانقسام وأشعل شرارة الحرب الأهلية الثانية، الأطول والأكثر دموية في تاريخ أفريقيا. صاحب هذا التوجه الرأسمالي للدولة تأثيرٌ على السياسة الزراعية تمثل في توجيه التمويل المصرفي نحو الزراعة الآلية والشركات الزراعية الكبرى في الوسط والشرق، مع استمرار التحيز الممنهج ضد القطاع التقليدي وصغار المزارعين والمناطق المهمشة تاريخياً.

تجليات أزمة الهوية في الفكر الزراعي: العقلية الاستخلاصية كنموذج للحكم

السياسات الاقتصادية ليست محايدة أبدًا، وفي حالة السودان، كان التخطيط الزراعي هو الساحة التي تجلت فيها بوضوح سياسات الهوية الإقصائية. لقد اعتمدت النخب الوطنية، التي تبنت المنطق السياسي الإقصائي ذاته، على العقلية الاستخلاصية الموروثة من الحقبة الاستعمارية، والتي كانت ترى في الزراعة مجرد محرك صناعي لخدمة مصانع النسيج البريطانية. رأت هذه النخب في الزراعة أداة لتوليد الإيرادات لتمويل الدولة المركزية ومشروعها الأيديولوجي، لا وسيلة لتحقيق التنمية للمجتمعات المحلية. والدليل القاطع على الجذور الاستعمارية لهذا النموذج هو المفارقة العميقة المتمثلة في أن أيديولوجيتين متناقضتين – الاشتراكية الموجهة من الدولة والرأسمالية القائمة على السوق – أنتجتا النتيجة ذاتها تمامًا: ترسيخ مركز استخلاصي وتهميش الأطراف التقليدية. وهذا يكشف أن النقاشات الأيديولوجية كانت مجرد “أغلفة سطحية” لمنطق حكم هيكلي لم يتغير جوهريًا، كما أوضحنا في مقالاتنا السابقة..

يُظهر هذا التحليل أن الأزمات التنموية في السودان، لا سيما في القطاع الزراعي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأزمة الهوية العميقة المتوارثة عن الحقبة الاستعمارية والتي تبنتها النخب الوطنية. بناءً على ذلك، فإن أي محاولة لمعالجة الفشل الاقتصادي بمعزل عن جذوره السياسية والثقافية محكوم عليها بالفشل. فالتنمية الزراعية العادلة لا يمكن أن تتحقق في ظل دولة تكرّس التهميش السياسي. وفي المحصلة، يتطلب مسار السودان نحو الاستقرار تحولين متلازمين: تحول سياسي من الهوية إلى المواطنة، وتحول اقتصادي من الاستخلاص إلى الشمول؛ ولا يمكن لأي منهما أن ينجح دون الآخر.

وكختام لهذه المقالات التحليلية، وقبل أن نطرح رؤيتنا لتنمية القطاع الزراعي من أجل السلام في السودان، سنستعرض في المقال القادم سمات الشخصية السودانية وتأثيرها على التخطيط للتنمية الزراعية.

إرسال التعليق

لقد فاتك