سارة السعيد : تحت الرماد |الآثار الجيوسياسية لقرار واشنطن بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً - صوت الوحدة

سارة السعيد : تحت الرماد |الآثار الجيوسياسية لقرار واشنطن بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً

إن صدور قرار أميركي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً يحمل تداعيات تتجاوز بكثير نطاق الحركة نفسها. فمع أن القرار سيُقدَّم رسمياً ضمن إطار مكافحة التطرف، إلا أن أثره الفعلي سيكون إعادة تشكيل لتوزيع النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر الأحمر. فالإخوان ليسوا مجرد حركة أيديولوجية، بل بنية شبكية واسعة متداخلة مع البيروقراطيات الرسمية، والأحزاب، والواجهات الاقتصادية والسياسية داخل عدد من الدول. وبالتالي فإن إعادة تصنيفهم دولياً ستعيد ترتيب المشهد الإقليمي، وتحوّل الحوافز الاستراتيجية للعديد من اللاعبين.

ومن منظور تحليلي، يمكن فهم تداعيات القرار بصورة أوضح من خلال رصد التفاعل البنيوي بين الفاعلين الإقليميين والقوى الخارجية التي تحدد حدود حركتهم. عبر هذا المنظور، يغدو التصنيف ليس إجراءاً قانونياً منعزلاً، بل خطوة تعيد تشكيل الأطر التي تتحرك داخلها الدول لبناء النفوذ، وإدارة المخاطر، وصياغة تصوراتها الخاصة بالنظام الإقليمي.

بالنسبة لمصر، قد يبدو القرار متسقاً مع روايتها الأمنية الداخلية الممتدة منذ سنوات. غير أن التأثير الاستراتيجي لن يكون خطياً ولا مباشراً. فالتصنيف سيُدخل أطرافاً أخرى — وعلى رأسها السعودية والإمارات — إلى مركز ملف لطالما تعاملت القاهرة معه باعتباره جزءاً من أمنها القومي الحصري. وتمتلك الرياض وأبوظبي أدوات سياسية واقتصادية وأمنية تجعلها أكثر قدرة على ترجمة هذا القرار في الإقليم. ونتيجة لذلك، قد تجد مصر نفسها أمام تراجع ملموس في نفوذها في بعض الساحات، خاصة تلك التي شكّلت فيها الشبكات المرتبطة بالإسلاميين مصدر تهديد وفرصة في آن واحد، مثل ليبيا والسودان.

أما دول الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات، فستكون المستفيد الأكبر. فقد استثمر البلدان، خلال العقد الماضي، في بناء نماذج حكم مضادة للإسلام السياسي وتعزيز الدولة على حساب الحركات العابرة للحدود. وسيمنح التصنيف الأميركي زخماً إضافياً لهذه الاستراتيجية، ويُضيّق المساحة السياسية المتاحة لحركات الإسلام السياسي، ويعزز قدرة الخليج على قيادة مسارات إعادة بناء الدولة في المنطقة. على الجانب الآخر، ستواجه قطر تضييقاً نسبياً في هامش المناورة؛ فبينما لن تنقطع علاقاتها التاريخية مع بعض هذه الجماعات، إلا أن كلفة الحفاظ على هذه العلاقات سترتفع سياسياً ودبلوماسياً.

تركيا بدورها ستتأثر بصورة أكثر جيوسياسية من كونها أيديولوجية. فدور أنقرة في بعض الساحات، مثل ليبيا وأجزاء من شمال أفريقيا، اعتمد على توظيف تكتيكي لبعض الفاعلين المحسوبين على الإسلاميين. أما بعد التصنيف، ستصبح هذه القنوات ذات مخاطر أعلى، وتحت تدقيق دولي أشد، الأمر الذي يقلّص قدرة تركيا على المناورة في بيئة يتسارع فيها تمدد النفوذ الخليجي.

وبالنسبة لإيران، فإن التداعيات ستكون بنيوية. وعلى الرغم من عدم وجود تقارب أيديولوجي بين طهران والإخوان، إلا أن الأخيرة شكّلت في بعض الأحيان واجهات سنّية أتاحَت لإيران مساحةً للمناورة أو بناء تحالفات ظرفية، كما في غزة أو السودان. ومع التصنيف الدولي، ستتقلص هذه المساحات الرمادية، وسيزداد التركيز على أدوات النفوذ الإيراني المباشرة، خصوصاً في سياق التوترات الآخذة بالتصاعد في البحر الأحمر.

روسيا ستشعر بالارتداد من خلال مسارات غير مباشرة. فوجودها في أفريقيا — ومن ضمنها السودان — ارتبط بشبكات محلية نشأت خلال الحقبة الإسلامية. ومع انهيار شرعية تلك الشبكات دولياً، ستتراجع قدرة موسكو على العمل عبر قنوات “مزدوجة” تجمع بين الاقتصاد غير الرسمي والأمن. كما سيعزز القرار النفوذ الأميركي والخليجي في البحر الأحمر، في لحظة تحاول فيها موسكو تأمين موطئ قدم استراتيجي عبر قاعدة بحرية محتملة في بورتسودان.

أما إسرائيل، فترى في القرار تحوّلاً يخدم بيئتها الأمنية. إذ سيضعف المكانة السياسية لحماس، ويحد من الشرعية الإقليمية للتيارات المتصلة بالإخوان. وعلى المدى البعيد، قد يسهّل ذلك توسيع مسارات التطبيع، خصوصًا مع صعود نماذج حكم إقليمية تفضّل استقراراً غير أيديولوجي.

ويمثل السودان إحدى أكثر الساحات حساسية في هذا السياق. فالكثير من مكونات الدولة القديمة — سواء في الجيش أو البيروقراطية أو اقتصاد الظل — ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر ببنى الإسلاميين التي تشكّلت خلال ثلاثة عقود. وسيؤدي التصنيف الدولي إلى إضعاف تلك البنى بصورة جوهرية، ويُعيد ترتيب موازين القوى الداخلية، ويمنح الطرف غير المرتبط بخيارات الإسلام السياسي مساحة أوسع في أي ترتيبات مستقبلية. كما سيعزز القرار الجهود الأميركية والخليجية لاستعادة الاستقرار الإقليمي عبر البحر الأحمر، في وقت تتنافس فيه القوى الخارجية على النفوذ داخل السودان.

وبصورة أوسع، يعكس التصنيف تحوّلاً متصاعداً في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع القواعد الموحدة لصالح “أنظمة أمنية متمايزة” تتحدد وفق التحالفات لا المبادئ، ووفق العلاقات الفعلية لا التعريفات الأيديولوجية. وبذلك، لا يمنح القرار وضوحاً بقدر ما يؤسس لنمط جديد من الغموض المحسوب — غموض يُعيد تعريف الشرعية السياسية وحدودها.

إن أهمية القرار لا تكمن في أثره المباشر على جماعة الإخوان فحسب، بل في ما سيتركه من بصمة على إعادة تشكيل النظام الإقليمي في بيئة تتسم بتداخل الأزمات، وتعدد مراكز السلطة، وتباين نماذج الحكم. وستتغير خرائط النفوذ بصورة تدريجية، لكن أثر القرار سيظل حاضراً في كيفية بناء التحالفات، وفي الشكل الذي ستتخذه ترتيبات الأمن الإقليمي في السنوات المقبلة.

إرسال التعليق

لقد فاتك