مليح يعقوب حماد : المركز والهامش النشأة والتاريخ
لقد تباينت الآراء حول تاريخ نشأة الصراع الدائر بين المركز والهامش، وتبارى الكتاب في كيفية توصيف الدولة السودانية، وفي سبيل ذلك منحوها جملة من الأسماء والألقاب، ومن ضمنها دولة المركز ودولة 56 والدولة العميقة ودولة الجلّابة ودولة المستعمر ودولة الأبرتهايد ودولة الباشبوزق ودولة البازنقر ودولة الكيزان وما إلى ذلك من الألقاب والنعوتات والتي تفسّر مدى سخرية الشعب من حكوماته الظالمة التي تجاهلت تنوعه وأهدرت موارده ومزّقت هوياته، وقد ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، ونفوا وجود دولة في السودان، متجاهلين المراحل التاريخية السابقة لتكوينها، ومن أبرزها الحضارة الكوشية والفرعونية والنوبية والممالك المسيحية والإسلامية وغيرها من السلطنات والمشيخات والتي إلتحمت شعوبها تحت راية الدولة المهدية التي ثبّتت تراب الوطن وطردت المستعمر من أرض السودان، ويكمن التناقض عند هؤلاء الساسة الذين ينكرون وجود دولة في السودان، في أن مصطلح الدولة راسخ في عقلهم الباطني والظاهري، ويعترفون بها في كتاباتهم؛ ولكنهم وعلي قول المثل الشعبي :ينكرونها (حطب) على لسان حالهم الذي يبرهن أنها متمسّكة بوحدتها وبتكامل عناصرها الماثلة في الشعب والجغرافيا والأرض والثقافة والهوية والتاريخ، ولا يختلف حول ذلك اثنان؛ فالدولة السودانية موجودة بحكوماتها الفاشلة أو بالأحرى توصيفها بأنها عبارة عن دولة غير وطنية (لا دستورية ولا أخلاقية)، ومن خلال مطالعتنا للمناهج التحليلية المنوط بها دراسة الأزمة السودانية، أدّركنا أنها أفضل حالا من كتب التاريخ السوداني ، المكتوبة على نسق: (القلم في يدي ما بكتب عمري شقي)، ويتم تدريسها للتلاميذ والطلاب في المدارس والجامعات، وبرغم تباين الرواة وتعدّد رواياتهم إلا أنهم إجتمعوا حول قاسم مشترك يبرهن على أن السودان عبارة عن دولة مركزية مترامية الأطراف وغير متجانسة قوميا وثقافيا وهُويّةّ وأن التنوع هو قدرها، ويصعب إدارتها من سلطة قابضة؛ فتلك الخلاصة دفعتنا إلى تبنّي خيار الفيدرالية والعلمانية والديمقراطية التعددية كأنسب وسيلة لحكم السودان، ونلاحظ أن معظم المفكّرين الذين بحثوا عن جذور المشكلات، إستبعدوا الحضارات الكوشية والنوبية من دوائر الصراع، وتجاهلوا تأثيراتها الإيجابية والسالبة على المسارح السياسية السابقة والراهنة، ففرعون مثلاً هو أول من طغى وتجبّر وقال لشعبه:(أنا ربّكم الأعلي)، وأما للذين يدعمون خيار الدوّلة الكوشيٌة، فقد اختزلوها في أنفسهم و توّهموا أنهم ورّاثها الشرعيون ليقصوا غيرهم ، ثم أخطأوا كثيراً في تفسيرهم لمفهوم الشعوب الأصيلة والوافدة، ونسوا أن جميع السودانيين أحفاداً لكوش، وكوش قد ذابت في الدول الإفريقية وأوّلها السودان، ومن يطرق بابها بناءً على فلسفته الفوقية (الخاصة) قد يفتح على نفسه (نفّاجات) جديدة من الصراع وهو في غنى عنها.
والمتابع لمنهج التحليل الثقافي المكتوب بقلم الدكتور: محمد جلال أحمد هاشم سوف يستنّبط أن الحضارة النوبية النصرانية قد بنت صروحها عبر منظومة الإقتصاد الطفيلي والإستغلالي وغير الإنتاجي، وكانت تمارس الرّق على شعبها عبر معاهدة البقط الموّقعة بين مملكة المقرة والدولة الإسلاميّة في مصر في عام 651 بعد الميلاد والفراعنة النصرانيين ليسوا بمزارعين بدليل انهم كانوا يلقبّون المزارع بعبد الملك.
وأما بالنسبة لعرب الشمال فقد دخلوا السودان في شكل جيوب قبليّة صغيرة وذابوا في الحضارة النوبية وورثوا عنها إمتيازاتهم التاريخية، وبناءً على ما سبق أرى أن النشأة الأولى لدولة المركز كانت في عهد الحضارة الفرعونية النصرانية، والتي انهارت ثم تحولت إلى مجموعة من الممالك والدويلات ومن ضمنها التنجر والداجو وسوبا وعلوة ونبته والفونج والعبّاسية وتقلي وسنار والفور والمسبّعات وغيرها… وقد حملت كل مملكة من تلك الممالك عوامل إنهيارها في داخلها، وإنقسمت إلى مركز وهامش وتابع ومتبوع، فحتى هذه اللحظة يرى كل مواطن سوداني بأنه يمثّل هامشاً لأخيه الآخر والذي يتعايش معه في نفس الإقليم.
لم تأخذنا العبرة من التاريخ فعلى سبيل المثال وليس التخصيص: نلاحظ أن (كسوفورو) سلطان الداجو قد أمر شعبه بنقل جبل أم كردوس وضمّه إلى إخوانه التسعة وتسعين، والنماذج التي تبرهن على وجود الظلم والتهميش كثيرة ويصعب حصرها فى مقال واحد، وقد إنتقلت العدوى للمالك الإسلامية مثل سنار وتقلي والفور، كما انتقلت العدوى إلى السلطنات الأخرى المغيّبة عن الواقع والمحجوبة عن التاريخ ولشيء في نفس يعقوب، ومن ضمنها سلطنة الخزام، والتي استمرت لمدة 200عام ثم إنهارت في عام 1510م بسبب(ناقة) أستولي عليها السلطان شرنقو من أبناء عمومته الجنيديين ، وإذا رجعنا إلى جدلية المركز والهامش المكتوبة بقلم الأستاذ أبكر آدم إسماعيل سنستوثق أنه قد اشار بطريقة أو بأخرى الى ان المركز قد بدأ يتشكّل في عام 1821م مع بداية العهد الثنائي التركي المصري، حيث ذكر الكاتب أن الجلّابة عبارة عن مجموعة من التجار نشأوا مع بداية العهد الثنائي التركي المصري، وسيطروا لاحقاً على الخطاب الرسمي للسلطة، وقد إختزل الكاتب ابكر آدم اسماعيل المركز في دولة الجلابة، وتجاهل المراكز السياسيّة السابقة لها، ومن ناحية أخرى نرى أن جدليّة المركز والهامش وبرغم إنتشارها الكثيف في الجامعات؛ إلا أنّها لم ترتكز على أساس تاريخي متين، كما حصرت الصراع في عنصر الثقافة وتجاهلت أركانه الأخرى، وهناك رأي آخر ورد في نظرية الإمتياز التاريخي وكاتبها الدكتور: أحمد الحسب، ويرى أن دولة المركز قد نشأت في العام 1956م.وقد حدّدت كتاباته مؤسسات المركز وأوجزتها في الأحزاب التقليدية إلى يمينية ويسارية والمؤسسات العسكرية والشرطية والأمنية والطرق الصوفية والإدارات الأهلية والسلطة القضائية والإعلام الرسمي و غيرها من المؤسسات المدنيّة والعسكريّة المتواطئة مع المركز وكما اكتفى بعضهم بوصفها كخلايا نائمة لدولة المركز خوفاً عليها من التفكيك والانهيار ومن ضمنهم الدكتور محمد جلال أحمد هاشم والذي تمرّد مؤخرا على المنهج والجدلية و على جميع كتاباته السابقة وأصبح أسيرا للهُويّة الجهويّة، وهناك رأي آخر يرى أن المركز هو مجموعة الحكومات المدنية والعسكرية التي تعاقبت على حكم البلاد، ونستنبط من هذا التعريف وجود مركزين لدولة 56 فالأول هو المركز الخشن ويمثله العساكر والثاني هو المركز الناعم ويمثله المدنيين، وقد يحتمي كل منهما بالآخر حفاظا على امتيازاته التاريخية، لقد برز مؤخرا مصطلح الدولة العميقة وسط ثوار ديسمبر الحرة كأفضل توصيف لدولة الكيزان والتي تمثّل أسوأ نسخة من دولة المركز .لقد فصلت الجنوب و نشرت الحروب في ماتبقي من السودان. ان مؤشرات الحرب الدائرة بين الجيش والدعم السريع تبرهن على ان دولة 56 في طريقها الى مذبلة التاريخ وقد تنتهي هذه الحرب بسلام عادل وشامل يقتلع الكيزان من جذورهم ليتفرّغ السودانيون الى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية جديدة يتساوى فيها كل الناس في الحقوق والواجبات.



إرسال التعليق