المودودي الدود : قصة الشعوب الأصيلة في السودان قبل الدولة وبعدها - صوت الوحدة

المودودي الدود : قصة الشعوب الأصيلة في السودان قبل الدولة وبعدها

للإجابة على سؤال الشعوب الأصيلة في السودان لا يكفي أن نعود إلى الماضي بل يجب أن نعود إلى كيف كان الماضي يفهم نفسه. فالسودان الذي نعرفه اليوم بحدوده وخرائطه ومفاهيمه عن القبيلة ليس هو السودان الذي كان قبل ستة قرون. كان هناك سودان آخر مفتوحًا سائلاً تتحرك فيه الجماعات كما يتحرك الماء بين الوهاد وكما تتبدل الرياح بين الشمال والجنوب.

كانت المجتمعات القديمة أشبه بجزر لغوية وثقافية صغيرة متناثرة حول ضفاف النيل وبين الوديان وفي شعاب السافانا. لغات تتجاور ولا تندمج وأسماء تنشأ وتختفي ومجموعات تتحرك تحت ضغط المطر أو الخوف أو الحاجة. لم تكن تلك الهجرات حدثًا طارئًا بل كانت القانون الأول للحياة.
فالإنسان القديم كما تقول الأنثروبولوجيا لا ينتمي إلى المكان لأنه يولد فيه بل لأنه يصمد فيه. ولذلك ظلت المجتمعات تتحرك بلا توقف جنوبًا حين يجف النهر وشمالًا حين يشتد المطر وغربًا حين تفتح الصحراء بواباتها وشرقًا حين تلوّح السهول بوعود العشب.

ثم جاءت الهجرات الكبرى في القرن الثاني عشر وما بعده مجموعات دخلت مع النيل من الشمال بعد رحلة طويلة عبر مصر ومجموعات أخرى عبرت الصحراء الليبية والتشادية نحو دارفور وكردفان ومجموعات ثالثة نزلت من الشمال الغربي حتى البحر الأحمر. هذه ليست شعوبًا وافدة هذه هي اللبنات التي صنعت السودان الجغرافي قبل أن يكون هناك سودان سياسي

ومع كل موجة هجرة كانت المياه تختلط وتتبدل اللغات وتنصهر الأسماء وتتكون هويات جديدة دون أن يُسأل أحد من أين جئت بل كان السؤال الحقيقي أين ستعيش ومع من ستتقاسم الخبز والمطر؟

وهذا التمازج هو الذي أنشأ في ما بعد سلطنة دارفور وتقلي وسلطنة سنار. هذه الكيانات لم تكن قبائل كبرت كما تُصوَّر أحيانًا بل كانت تكوينات اجتماعية جديدة خرجت من رحم الامتزاج السكاني. كانت تحالفات سياسية وثقافية مثل تحالفات المسار في دارفور التي أعادت تشكيل الولاءات باستمرار. ومعها ظهر مفهوم جديد للسلطة والهوية والانتماء.

ولعلّ في تاريخ تشكّل المجموعات التي نعرفها اليوم خير دليل على هذه السيولة. فمجموعة مثل الجعلية على سبيل المثال لا يمكن ردّها إلى سلالة واحدة نقية بل هي محصلة تحالف وتمازج بين عناصر عربية ونوبية ومحلية عبر قرون في منطقة النيل. وكذلك فإن سلطنة سنار (الفونج) نفسها كانت تحالفًا مرنًا ضمّ عناصر محلية من الفونج مع عناصر وافدة نسجوا معًا هوية جديدة هُضمت فيها الاختلافات تدريجيًا. هذه الأمثلة ليست استثناءً من القاعدة بل هي القاعدة ذاتها التاريخ السوداني هو تاريخ اختلاط والهوية السودانية هي هوية تركيب.

كانت تلك المجتمعات مجتمعات سائلة الهوية فيها لا تُكتب بالحروف بل بالسير والانتماء لا يُحدّد بالدم وحده بل بالماء الذي تشربه والأرض التي تدفن فيها أول شهيد من عائلتك.

ثم جاء الاستعمار. والاستعمار كما فعل في كل مكان لم يكن فقط قوة عسكرية بل كان آلة لإيقاف حركة التاريخ.
أوقف السيولة وجمد الهويات ورسم الحدود وثبّت القبائل كما تُثبَّت الدبابيس على خرائط المتاحف.
لقد طبّق نظام الحكم غير المباشر عبر تعيين شيوخ للقبائل وإنشاء السجلات القبلية والمحاكم العرفية مخترعًا بذلك تقاليد ثابتة لما كان بالأمس ديناميكيًا ومتغيرًا. لقد حوّل التنوع السائل إلى كتل إثنية متصارعة. صار ما كان يتحرك ثابتًا وما كان يتغير مستقرًا وأصبحت القبائل وحدات لها أسماء ومراكز ونُظم مع أنها قبل قرن كانت مجرد مجموعات تتحرك كما تتحرك الطبيعة.

لذلك فإن القبائل التي نعرفها اليوم بأسمائها وحدودها ولهجاتها ليست هي القبائل التي كانت قبل الاستعمار. تغيّر الاسم وتغيّر المكان وتغيّرت الثقافة. تبدل الكل وبقي الجوهر أن كل هؤلاء أبناء هذه الأرض لا وافدون عليها.

وهكذا فإن من يبحث اليوم عن الأصيل والدخيل يبحث في المكان الخطأ ويكرّر دون وعي إرثًا استعماريًا جمد الحياة في أوصافها. فالأصالة ليست أسبقية زمانية بل هي أسبقية الانتماء إلى الأرض. ومن عاش في هذا الفضاء من دنقلا إلى البحر الأحمر ومن دارفور إلى البطانة وامتزج مع ناسه واتسق مع مطره وموسمه ولسانه فهو من هذه الأرض.

وهكذا تصبح كل الشعوب التي كانت تعيش في السودان الجغرافي قبل الاستعمار سواء على النيل أو في السافانا أو فوق صخور كردفان شعوبًا أصيلة لا لأن دماءها نقية بل لأن جذورها في الأرض ولا لأن نسبها محفوظ بل لأن تاريخها جزء من تاريخ المكان ولا لأن لديها حقًا اثنيا بل لأنها كانت هنا تصنع الحياة دون انتظار اعتراف من أحد.

فكيف لنا اليوم ونحن نواجه إرث هذا التجميد أن نبني هوية وطنية تعترف بهذا التمازج التاريخي السائل بدلاً من أن تحبس أبناء الأرض في أقفاص الأصالة والدخيلة؟

وهكذا نفهم الأصالة ليست جدلاً في الأنساب بل حقيقة تصنعها الأرض. ومن عاشته هذه الأرض وسقته من مطرها وأدخلته في لغتها ولهجتها وعاداتها يصعب استبعاده لأن الأرض أقوى من كل روايات من جاء أولًا وأعدل من كل خرائط السياسة والهوية.

إرسال التعليق

لقد فاتك