ياسمين آدم المصري : مصر وسد النهضة: بين هواجس الأمن المائي وصراع القيادة الإقليمية - صوت الوحدة

ياسمين آدم المصري : مصر وسد النهضة: بين هواجس الأمن المائي وصراع القيادة الإقليمية

منذ الإعلان عن مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، تحوّل هذا السد إلى محور توتر إقليمي حاد بين القاهرة وأديس أبابا، مع انخراط الخرطوم أحيانا إلى جانب مصر وأحيانا أخرى باتجاه إثيوبيا. ورغم مرور أكثر من عقد على بداية المشروع، ما يزال السد يثير خلافات عميقة تتجاوز الجوانب الفنية والهندسية، لتلامس قضايا الأمن القومي، المكانة الإقليمية، والسيادة الوطنية.
مصر أعلنت رفضها الصريح للمشروع منذ البداية، واعتبرته تهديدا وجوديا لأمنها القومي. ومع اكتمال بناء السد وبدء تشغيله، تجدد الجدل بقوة، حيث تعالت الأصوات المصرية محذرة من كارثة مائية. غير أن قراءة موضوعية تكشف أن هذه المخاوف ليست حقيقية بالقدر الذي تروّج له القاهرة، وأن جوهر الصراع يرتبط بمسائل القيادة الإقليمية أكثر من ارتباطه بقضايا فنية أو حقوقية.

تتمسك مصر بموقفها الرافض لبناء السد دون اتفاق ملزم، لعدة أسباب جوهرية. أولها أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على مياه النيل التي توفر أكثر من 90٪ من احتياجاتها المائية، وبالتالي فإن أي انخفاض في التدفقات سيؤدي إلى خسائر كبيرة في الزراعة والمياه الصالحة للشرب. كما، تخشى القاهرة من أن عملية الملء والتشغيل الأحادية قد تقلّص مخزون بحيرة ناصر وتؤثر على إنتاج الكهرباء من السد العالي. فترى مصر أن غياب اتفاق قانوني يحدد قواعد الملء والتشغيل يمثل خرقا للقانون الدولي وتهديدا لاستقرار حوض النيل الشرقي، وهو ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدا بالنسبة للقاهرة من مجرد خلاف مائي.

لكن عند التدقيق، يتضح أن معظم هذه الحجج مبالغ فيها. فالدراسات الفنية التي أجرتها مراكز مستقلة أكدت أن الملء يمكن أن يتم دون إحداث ضرر كبير لمصر إذا ما أُدير بشكل مرن. كما أن مخاطر تقليص المياه على مصر ترتبط أساسا بضعف سياساتها المائية الداخلية، حيث تعاني من الهدر، وسوء إدارة الموارد، واعتمادها الكبير على أنماط زراعية تستهلك كميات ضخمة من المياه.

على الضفة الأخرى، تطرح إثيوبيا منطقا بسيطا: أنها تبني سدا داخل حدودها، بمواردها الخاصة، لتوليد أكثر من 6,000 ميغاواط من الكهرباء، بهدف إنعاش اقتصادها وإمداد ملايين المواطنين بالطاقة. هذا المشروع التنموي يعد من حقها السيادي الذي يكفله القانون الدولي، ما دام لا يسبب ضررا جسيما لدول المصب. وحتى الآن، لم يثبت أن مصر تكبدت أضرار مباشرة أو لا يمكن التكيف معها.
إضافة إلى ذلك، فإن النيل الأزرق يشكل نحو 80٪ من تدفقات النيل، لكنه ينبع من إثيوبيا التي لم يكن لها نصيب فعلي في الاتفاقيات التاريخية التي منحت مصر والسودان حقوقا واسعة. لذلك، فإن بناء السد هو في جوهره محاولة لتصحيح ميزان تاريخي مختل، وإدماج إثيوبيا كفاعل شرعي في إدارة مياه النهر.

السودان، بحكم موقعه، يقف بين الموقفين. وعلى الرغم من أن خبراء محليين ودوليين يؤكدون أن السد لا يشكل تهديدا مباشرا للخرطوم، بل قد يوفر فوائد مثل تقليل الفيضانات وتنظيم الري والحصول على كهرباء رخيصة، إلا أن القاهرة ضغطت طويلا لتوحيد الموقف السوداني معها. لكن من مصلحة السودان أن يتعامل مع الملف ببراغماتية، بعيدا عن الضغوط المصرية، وأن يضع مصالحه الوطنية فوق أي اعتبار آخر.

يتجاوز الموقف المصري المخاوف المائية إلى بعد سياسي واستراتيجي. فالقاهرة تنظر إلى نفسها بوصفها قائدة في إفريقيا والعالم العربي، وتعتبر أن على دول مثل السودان وإثيوبيا أن تضع مصالحها تحت مظلة “الأمن القومي المصري”. كما تخشى مصر أن يتخذ السودان مسارا مستقلا في سياساته الخارجية، خاصة أن موقعه الجغرافي وتنوعه الثقافي يمنحانه بعدا إفريقيا أصيلا ومؤثرا، ما قد يجعله مفتاحا لقوة إقليمية جديدة منافسة للنفوذ المصري. ومن هنا، تحرص القاهرة على التأثير المباشر في سياسات الخرطوم وعلاقاتها الخارجية، خشية أن تفلت من دائرة نفوذها.

يملك السودان مقومات تؤهله ليكون وسيطا وباني جسور بين دول حوض النيل، نظرا لامتداده الإفريقي وتنوعه الثقافي وقربه من إثيوبيا و العديد من الدول الأفريقية. لكن عليه أن يبتعد عن سياسة التبعية لأي طرف، وأن يبني علاقاته على أساس اتفاقيات ثنائية تحقق مصالحه. إن استقلالية القرار السوداني في هذه القضية ليست خيارا تكتيكيا فحسب، بل هي ضمانة لمستقبله المائي والسياسي.

في ظل هذه التوازنات، يبقى على السودان أن يتعامل مع ملف سد النهضة بقدر عالٍ من الاستقلالية، وأن يبني اتفاقيات ثنائية قائمة على مصالحه الوطنية ومصالح شعوبه، بعيدا عن ضغوط القاهرة أو أديس أبابا. فالتعاون الثلاثي بين مصر والسودان وإثيوبيا ممكن، لكنه لن يتحقق إلا عبر إدارة رشيدة، ومفاوضات مبنية على المصالح المشتركة، بعيدًا عن منطق التهديدات والصراع على القيادة.

إن أزمة سد النهضة كشفت بوضوح أن ما يثير حفيظة القاهرة ليس فقط مخاطر نقص المياه، بل فقدانها لاحتكارها التاريخي في ملف النيل وقيادتها المطلقة في القارة. أما إثيوبيا، فهي تمارس حقا مشروعا في التنمية واستغلال مواردها. والسودان، رغم محاولات جره إلى موقف مصري موحد، ليس متضررا بالقدر الذي يصور، بل قد يكون أكبر المستفيدين. وعليه، فإن الطريق الأمثل هو تبني السودان لموقف مستقل قائم على مصالحه الوطنية، والتأكيد على التعاون لا التبعية هو ما يحقق الاستقرار والتنمية في حوض النيل.

إرسال التعليق

لقد فاتك