كارينو يكتب:جنوب دارفور صمود الإدارة المدنية وطريق صابرين على حافة الغياب
الإدارة المدنية في جنوب دارفور ولدت في ظرف تاريخي استثنائي حين تقاطعت الحرب مع الحياة اليومية ووجد الناس أنفسهم أمام فراغ سلطوي كان يمكن أن يبتلع مؤسسات الدولة ومقدرات المجتمع ، لكن رجالاً ونساءً من قلب الإقليم حملوا على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على ما تبقى من ذاكرة الدولة ومؤسساتها ، هؤلاء لم يكونوا موظفين عاديين بل حراس تاريخيين للتأسيس المدني ، صمدوا في وجه الانهيار وحافظوا على الأرشيف الإداري ، وعلى روح الخدمة العامة التي بدونها تتبخر معاني الاستقرار ، لقد أثبتوا أن الإدارة المدنية ليست مجرد إجراءات روتينية بل فعل مقاومة يوازي في عظمته أفعال الميدان.
وسط هذا المشهد المعقد يطل طريق صابرين كرمز آخر لمعركة البقاء ، هذا الطريق الذي يربط مدينة نيالا بأحيائها الشرقية ليس مجرد مسار معبد بالإسفلت بل شريان استراتيجي تنبض فيه حركة الحياة ، تمر عبره الشاحنات القادمة من الضعين إلى نيالا وتتحرك فيه مواصلات الناس اليومية وتحمله المدينة على كتفيها كأحد أعمدة وجودها ، لكن هذا الطريق اليوم يقف على حافة الغياب فالأمطار الموسمية أنهكت بنيته وتسببت في تآكل مسافة حيوية تقدر بحوالي مئتي متر مهددة بانقطاع كامل إن لم تُتخذ إجراءات عاجلة ، إن فقدان هذا الطريق لن يكون مجرد فقدان لمساحة إسفلتية بل خسارة لشريان اقتصادي واجتماعي يربط بين الناس وغياب يضاعف عزلة المجتمع ويزيد من ثقل الحرب على كاهل المواطنين.
إن المسؤولية هنا لا تقتصر على المهندسين أو السلطات المحلية وحدها بل هي امتحان للإدارة المدنية التي أثبتت قدرتها على حماية المؤسسات، المطلوب تدخل عاجل حتى ولو كان مؤقتاً لمنع انهيار الطريق وإبقاء شريان المدينة نابضاً قد تكون الصيانة الأولية حلاً مرحلياً لكنها تحمل معنى أبعد أنها رسالة بأن المجتمع قادر على حماية نفسه وأن الإدارة المدنية ليست شاهدة على الدمار بل فاعلة في مقاومته.
هكذا تصبح قصة طريق صابرين انعكاساً لتجربة جنوب دارفور في زمن الحرب؛ إدارة مدنية تصمد فوق الانقاض وشريان حياة يقاتل من أجل البقاء إنها رحلة طويلة نحو المجهول ، لكن صمود الناس وإرادتهم يجعل من هذا المجهول مساحة مفتوحة على الأمل ما دام هناك من يصر على أن يحمي ذاكرة المؤسسات وطريق الحياة في آن واحد.



إرسال التعليق