كاربينو يكتب : قمم في برودة اللحظة من فقدان التماسك إلى ضياع البوصلة - صوت الوحدة

كاربينو يكتب : قمم في برودة اللحظة من فقدان التماسك إلى ضياع البوصلة

تحالف “قمم” هو كيان سياسي فريد من نوعه في المشهد السوداني المعقد، إذ يجمع تحت سقفه مجموعة من التنظيمات السياسية والحركات المسلحة التي تسعى من خلال هذا التجمع، إلى تحقيق رؤية مشتركة للتغيير والإصلاح في وطن يشهد صراعات متعددة الأبعاد ، يمثل “قمم” محاولة لخلق جسر سياسي بين فصائل شتى، ويطمح إلى أن يكون صوتاً موحداً يحمل مطالب الشعب السوداني ويرسم معالم المستقبل.

ولدت “قمم” في قلب المعركة وسط رصاص الحرب ونيران الصراعات، بعيداً عن الواجهات الدبلوماسية الفاخرة والفنادق المهيبة التي تحتضن التفاوضات الرسمية ، هي تجربة نشأت في بؤر المواجهة المباشرة، حيث يواجه أعضاؤها مخاطرة يومية ويُجبرون على الاختبار الحقيقي للوفاء والتضامن ، هذا الوجود في عمق الحدث وليس على هامشه، منح “قمم” دلالة مغايرة ولكنه في الوقت ذاته جعله عرضة لتحديات جسيمة تتجاوز الصراع المسلح إلى أزمات تنظيمية وعملية بالغة التعقيد.

في عمق المشهد السوداني تتجلى أزمة التحالفات السياسية كمعضلة بنيوية تكررت عبر الزمن، حيث لا تبدو هذه التحالفات آمنة ولا مستقرة ، فهي تعيش حالة من الانكفاء والتفكك المستمرين، تعوزها القدرة على البناء المؤسسي الراسخ أو التوافق الفكري العميق تتشابك فيها المصالح وتتنافر الرؤى، ليصبح كل تحالف عرضة للتمزق، وغالباً ما تتحول أجسامه إلى مجرد هياكل شكلية تعاني من فراغ داخلي يهدد وجودها.

وفي هذا السياق يجد “قمم” نفسه محاصراً ببرودة اللحظة السياسية التي تحاصره، بين فقدان التماسك المؤسسي وتآكل الثقة، وبين ضياع البوصلة التي كان من المفترض أن ترسم له طريق التغيير ، هذا التحالف كما غيره، يعاني من هشاشة في التواصل مع قواعده، ويتعثر في بناء شبكة سياسية قوية تسمح له بالتحرك ككتلة واحدة فاعلة ، الصراعات الداخلية وعدم وضوح الأهداف، وغياب تصور متكامل للتحديات، كلها عوامل تجعل من “قمم” حالة نموذجية للأزمات التي تعصف بالتحالفات السودانية اليوم.

في ظل هذه الحقيقة لا يكفي أن يُعتبر “قمم” مجرد تحالف عابر في زمن الحرب، بل يجب أن يكون مشروعاً للتجديد والبناء الداخلي العميق، يواجه اختبارات صارمة في القدرة على التغيير الحقيقي ، إذ لا يمكن أن تستمر تجربة سياسية تنشد التغيير، بينما تبقى أسيرة الصراعات الداخلية والتشتت، ووسط قوى ترفض أن تستثمر في بناء مؤسسات تستوعب التنوع وتحقق الانسجام.

هذه الأزمة التي يعيشها “قمم” ليست استثناء، بل هي انعكاس لمأزق أوسع في المشهد السوداني حيث التحالفات تُبنى وتنهار بطرق متكررة، دون أن تترك أثراً فعلياً على مسار السياسة أو الواقع المجتمعي ، ولعل مفتاح الخروج من هذه الحلقة المفرغة يكمن في إعادة قراءة الواقع بإخلاص، وبناء استراتيجيات حقيقية تلمس جذور المشكلات، وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع وحوار متواصل، وتجديد مستمر، لا يكتفي بالرموز والأسماء، بل ينتقل إلى الفعل والنتائج.

في نهاية المطاف يبقى السؤال المركزي هل يمكن لتحالف مثل “قمم”، في ظل برودة اللحظة الراهنة، أن يستعيد تماسكه ويعيد بناء بوصلته ليصبح قوة فاعلة ومؤثرة، أم أنه سيتحول إلى ذكرى أخرى من سجل التحالفات السودانية التي ولدت سريعاً، وتبددت أسرع؟ هذه ليست مجرد تساؤلات نظرية، بل امتحان حقيقي لمستقبل السياسة السودانية، وحجم الالتزام الذي يمكن أن يقدمه قادة وشركاء هذا التحالف وسط واقع يتطلب أكثر من مجرد

إرسال التعليق

لقد فاتك