مليح يعقوب : السودان في مهب “الوصم الاستراتيجي”: تداعيات تصنيف الحركة الإسلامية ومآلات النفوذ الاقليمي
يعتبر التوجه الدولي (والأمريكي تحديداً) نحو تصنيف “الحركة الإسلامية” في السودان، أو أذرعها العسكرية، بمثابة زلزال يضرب أركان المشهد السياسي المتأزم. هذا القرار يتجاوز كونه إجراءً دبلوماسياً روتينياً؛ إذ يمثل “مشرطاً جراحياً” دولياً يستهدف استئصال النفوذ الأيديولوجي الذي هيمن على مفاصل الدولة لعقود.
وبموجب هذا التحول، تجد المؤسسة العسكرية السودانية نفسها اليوم في مواجهة مأزق وجودي، عالقةً بين “فكي كماشة”: مواجهة عسكرية ضارية ضد قوات الدعم السريع، وتحدٍ قانوني وسياسي يفرضه “فخ” التصنيف الذي طال حلفاءها الأيديولوجيين. إن هذا الواقع الاستراتيجي يجعل من الاستمرار في الرهان على “الكتائب العقائدية” مقامرة غير مأمونة العواقب.
دوافع التصنيف: إعادة هندسة الصراع
تستند المقاربة الدولية في هذا الصدد إلى رصد دقيق لدور الجماعة في تقويض المسار الانتقالي. وتتجلى هذه الدوافع في أربعة محاور جوهرية:
مقاومة التحول المدني: الدور الممنهج لقادة النظام السابق في إجهاض الاتفاقات السياسية، سعياً لاستعادة “دولة التمكين” وإعادة إنتاج السلطة القديمة.
الانتهاكات الميدانية: تورط فصائل مسلحة مرتبطة بالحركة، وفي مقدمتها “كتيبة البراء بن مالك”، في تجاوزات إنسانية واستهدافات على أسس إثنية، مما منح الصراع صبغة “التطرف المسلح”.
الاستقطاب الجيوسياسي: تحويل الأراضي السودانية إلى ساحة خلفية للتوترات الإقليمية، عبر فتح مسارات تعاون عسكري وتقني مع أطراف دولية مثيرة للجدل (مثل إيران)، ما وضع الخرطوم في عين العاصفة العالمية.
الأدلجة العنيفة: تحويل النزاع من صراع على السلطة والدولة إلى “حرب مقدسة”، مما يفاقم الاستقطاب المجتمعي ويعيد إنتاج عزلة التسعينيات المظلمة.
الأبعاد الإقليمية: توازن المصالح والضغوط
لا يقتصر أثر هذا “الوصم” على الداخل، بل يمتد ليعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية:
إعادة تموضع الجوار: تواجه دول الجوار تحدياً مزدوجاً؛ فبينما تنشد الاستقرار، تخشى من تبعات “الارتباطات الإقليمية المشبوهة” للإسلاميين. سيؤدي التصنيف إلى ضغط دولي لفك هذا الارتباط، مما يدفع العواصم المحيطة لتنسيق أعمق مع واشنطن لضمان عدم تحول السودان إلى منصة لنفوذ عابر للحدود.
سياسة “عزل الوكلاء”: يضيق القرار الخناق على الأطراف التي تستخدم “الجناح الإسلاموي” كأداة نفوذ؛ إذ ستصبح أي علاقة مع هذه الكيانات مخاطرة قانونية تعرض أصحابها لعقوبات دولية ثانوية.
سيناريوهات المستقبل: ما بعد “الوصم”
سيناريو “الفك الحذر”: قد يضطر الجيش السوداني للتماهي مع الضغوط الدولية وفك الارتباط بالكتائب المصنفة، تفادياً للتحول إلى “دولة مارقة” تواجه شللاً مالياً ودبلوماسياً.
سيناريو العزلة والانهيار: في حال التمسك بالتحالف العقائدي، سيواجه النظام تضييقاً مالياً شاملاً، مما سيعجل بانهيار “اقتصاد الحرب” الذي يعتمد عليه حالياً.
نافذة البديل الوطني: يفتح القرار فرصة تاريخية للقوى المدنية لتقديم مشروع “السودان الجديد” كبديل لإنقاذ الدولة، بعيداً عن هيمنة الأيديولوجيا الأحادية.
خاتمة:
إن تصنيف الحركة الإسلامية ككيان “موصوم” دولياً يدفع باتجاه إعادة تعريف جذري لطبيعة الصراع. لقد ولى زمن “حروب التمكين” وبدأ زمن “استعادة الدولة”. إن القوى التي اقتاتت على امتيازات السلطة التاريخية تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الانخراط في مشروع وطني عادل، أو التلاشي تحت وطأة الضغوط الدولية. فالمستقبل لن يصنعه السلاح وحده، بل الرؤية القادرة على تأسيس دولة المواطنة التي تستوعب الجميع.



إرسال التعليق