مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية – الامتحان المكشوف (8)
مشهد أول:
في مدرج مطار بورتسودان (الخرطوم في أوقات سابقة)، تقف طائرة شحن عملاقة تحت حراسة أمنية مشددة. يتم شحن الطائرة بصناديق ثقيلة من الذهب الخالص، استُخرجت من دماء وعرق آلاف العمال البسطاء في مناجم التعدين الأهلي المليئة بالسيانيد السام. وفي نفس اللحظة، على بُعد كيلومترات قليلة في الميناء البحري، ترسو سفينة ضخمة لتفريغ شحنات من القمح المستورد، والأسلحة، وسيارات الدفع الرباعي. الجنرال، وقائد المليشيا، والتاجر الطفيلي يجلسون في صالة كبار الزوار، يتقاسمون عائدات تصدير الذهب لتمويل استيراد أدوات القمع ومواد الاستهلاك. بينما المواطن المنهك، الذي استُخرج هذا الذهب من أرضه، يقف خارج أسوار الميناء في طابور طويل ومُذل للحصول على رغيف خبز مستورد. المشهد يختزل المأساة؛ نحن نصدر ثرواتنا خاماً لنستورد بها سلاحاً نقتل به بعضنا، وطعاماً نُسكت به جوعنا المؤقت.
السؤال : كيف تحولت الحرب في السودان من صراع سياسي إلى مشروع استثماري تُديره كارتيلات السلاح والمال؟ لماذا تفشل اتفاقيات السلام التي تُوزع الوظائف الدستورية ولا تُحرك تروس المصانع؟ وكيف نكسر حلقة “الاقتصاد الريعي” الذي يُموّل الخراب، لنبني اقتصاد إنتاج حقيقي يُموّل السلام المستدام؟
أولاً: الاقتصاد الريعي كحاضنة طبيعية للحرب
لفهم استدامة الحروب في السودان، يجب تفكيك البنية الاقتصادية لـ “دولة 56”. صُممت هذه الدولة منذ نشأتها كدولة “ريعية” بحتة. الاقتصاد الريعي (Rentier Economy) هو النظام الذي يعتمد كلياً على بيع الموارد الطبيعية الخام (الذهب، البترول، الصمغ العربي) للخارج، دون إضافة أي قيمة تصنيعية، ودون الاعتماد على الضرائب المحصلة من إنتاج المواطنين.
في الدولة الإنتاجية الديمقراطية، تعتمد الحكومة على ضرائب المصانع والمزارع والشركات، مما يجعلها مضطرة لتقديم خدمات تعليم وصحة جيدة لمواطنيها لضمان استمرار إنتاجهم. المواطن هناك هو “رأس المال”. أما في الدولة الريعية السودانية، فالحكومة لا تحتاج إلى مواطنين أصحاء أو متعلمين. هي تحتاج فقط إلى آبار نفط أو مناجم ذهب، وإلى “مليشيا عسكرية” تحرس هذه المواقع، وشركة تصدير تنقل الخام. في هذه المعادلة المشوهة، يصبح المواطن المنتج “عبئاً” يطالب بالخدمات، بينما يصبح المقاتل المرتزق “ضرورة” لحماية مسارات التصدير. الاقتصاد الريعي لا يصنع مجتمعاً، بل يصنع معسكراً كبيراً تُديره شركات أمنية.
ثانياً: تحالف الكليبتوقراطية والرأسمالية الطفيلية
العسكر في السودان لا يحكمون وحدهم. البندقية لا تستطيع تحويل الذهب إلى دولارات في حسابات بنكية خارجية دون مساعدة مدنية. هنا يظهر التحالف الأخطر: تحالف جنرالات “النهب المصلح /المسلح” مع شبكات “الرأسمالية الطفيلية”. الرأسمالي الطفيلي ليس رجل أعمال وطني يبني مصنعاً للنسيج أو يعبد طريقاً. هو وسيط يعتاش على المضاربات في العملة، واحتكار رخص التصدير والاستيراد، والحصول على إعفاءات جمركية وضرائبية من الدولة مقابل تمويل السياسيين والجنرالات.
هذا التحالف الطفيلي يستفيد بشكل مباشر من استمرار الحرب والهشاشة الأمنية. في زمن الحرب، تُعلق القوانين، وتنهار الرقابة البرلمانية، وتُعقد الصفقات الحكومية بالأمر المباشر بحجة “الطوارئ”. الحرب بالنسبة للرأسمالية الطفيلية ولجنرالات “النهب المصلح” هي موسم الحصاد الأكبر. هم يبيعون السلاح للدولة، ويستوردون الوقود للمليشيات، ويحتكرون تجارة الإغاثة. عندما تنتهي الحرب وتُفرض الشفافية والمؤسسية، تفقد هذه الكارتيلات مبرر وجودها. لذلك، هم يمولون الصراعات القبلية والسياسية سراً، لضمان استمرار حالة “اللا دولة” التي تشكل بيئتهم الاستثمارية الوحيدة.
ثالثاً: سلام الوظائف مقابل سلام الإنتاج
هذا التشوه الاقتصادي يفسر لماذا انهارت كل اتفاقيات السلام المتعاقبة. من أبوجا إلى نيفاشا إلى جوبا، كانت المقاربة واحدة: “سلام المحاصصة الاستهلاكية”. يتم توقيع الاتفاق، وتنتقل قيادات الحركات المسلحة إلى العاصمة. ما الذي يحدث اقتصادياً؟ يتم دمج عشرات الآلاف من المقاتلين في كشوفات مرتبات الدولة، ويُمنح القادة أساطيل من السيارات الفارهة والميزانيات المفتوحة.
هذا ليس سلاماً، هذا انتحار اقتصادي. الدولة تقوم بزيادة بند “الاستهلاك العسكري والسياسي” من خزانة فارغة أصلاً، دون أن تضيف مصنعاً واحداً أو تستصلح فداناً زراعياً جديداً. الكعكة الاقتصادية لا تكبر، بل يزداد عدد الأيدي التي تنهشها. النتيجة الحتمية هي لجوء الحكومة لطباعة النقود دون غطاء إنتاجي لتسديد فاتورة “السلام”، مما يؤدي إلى انهيار العملة الوطنية، وارتفاع التضخم، وسحق الطبقة الوسطى والفقيرة. “سلام الوظائف” يُمول أمن النخب من جيوب الجوعى، وسرعان ما ينفجر الجوعى في ثورة أو حرب جديدة. السلام المستدام هو “سلام الإنتاج” الذي يخلق فرص عمل للشباب في الحقول والمصانع، وليس دمجهم كجنود احتياط في عاصمة تترنح.
رابعاً: هندسة الفقر وتدمير القطاعات الحقيقية
انهيار الاقتصاد السوداني لم يكن مجرد فشل إداري عابر، بل كان عملية “هندسة اجتماعية” مقصودة. لتوطيد أركان الكليبتوقراطية، كان لا بد من تدمير الاستقلال الاقتصادي للمجتمعات. تدمير مشروع الجزيرة (أكبر مشروع زراعي مروي تحت إدارة واحدة في أفريقيا)، وتصفية السكة حديد، وبيع الخطوط الجوية، وإغلاق مصانع النسيج والزيوت، لم تكن أخطاءً، بل كانت سياسة دولة.
الطبقة العاملة والمزارعون المستقلون يمثلون كتلة ديمقراطية صلبة تهدد الاستبداد وتملك القدرة على تمويل النقابات والإضرابات. بضرب هذه القطاعات، تم إفقار ملايين الأسر الريفية. الشاب الذي كان يفترض أن يقود جراراً زراعياً في قريته، وجد نفسه عاطلاً وجائعاً. هنا تتدخل المليشيات وقوات المركز لتعرض عليه الوظيفة الوحيدة المتاحة: “حمل السلاح مقابل راتب”. تدمير الزراعة والصناعة كان الفخ الاستراتيجي الذي حول طاقة الشباب الإنتاجية إلى طاقة تدميرية. المليشيا لا تزدهر إلا في أرض مات فيها المحراث.
خامساً: الدرس المقارن: بين لعنة الكونغو ومعجزة بوتسوانا
لعنة الموارد ليست قدراً محتوماً، بل هي خيار سياسي. الكونغو الديمقراطية تمتلك ثروات معدنية تُقدر بتريليونات الدولارات (كوبالت، ألماس، ذهب). لكن غياب المؤسسات، وتورط الجيش في التجارة، حولها إلى واحدة من أفقر دول العالم وأكثرها دموية، حيث تتقاتل عشرات المليشيات للسيطرة على المناجم لتمويل تسليحها. هذا هو المسار الذي تسير فيه “دولة 56” بكل دقة.
في المقابل، تقدم جمهورية بوتسوانا في الجنوب الأفريقي معجزة اقتصادية معاكسة. اكتشفت بوتسوانا الألماس بعد استقلالها، وكانت من أفقر دول القارة. لكن قيادتها اتخذت قرارات مؤسسية صارمة: منعت تدخل الجيش في الاقتصاد، أسست صندوقاً سيادياً لإدارة عائدات الألماس بشفافية، وفرضت شراكات تصنيعية عادلة مع الشركات الأجنبية بدلاً من تصدير الخام، واستثمرت العائدات حصرياً في التعليم والبنية التحتية. اليوم، بوتسوانا تمتلك أعلى تصنيف ائتماني في أفريقيا، وتتمتع باستقرار ديمقراطي راسخ. المورد الطبيعي هو ذاته، لكن الفارق يكمن في المؤسسة؛ إما أن تبتلعه مليشيا (الكونغو والسودان)، وإما أن يديره عقل مدني وتكنوقراطي (بوتسوانا).
حين انكسر المحراث
في أحد مخيمات النزوح المكتظة، يجلس “عم محجوب”، وهو مزارع سابق أفنى شبابه في حواشات مشروع الجزيرة قبل أن تُدمر سياسات الخصخصة الفاسدة محصوله. يتحدث بدارجة سودانية تختزل كل نظريات الاقتصاد السياسي: “يا ولدي.. البلد دي لو دورت مكنة المصنع، والترعة جابت الموية، مافي زول مجنون بشيل بندقية ويموت في الخلا. نحن وليداتنا ما شالوا السلاح ومسكو درب المليشيات، الا لما انكسر المحراث وما لقوا اللقمة في البيت”.
هذه الشهادة البسيطة والموجعة تضع يدها على الجرح. الحرب في السودان تُغذيها البطالة قبل الأيديولوجيا. السلاح أصبح “مهنة” لمن لا مهنة له. حديث السياسيين عن نزع السلاح وإعادة الدمج هو حرث في البحر ما لم تقابله خطة اقتصادية شاملة لإحياء المصانع والمزارع. البندقية لا تسقط بالقرارات العسكرية، بل تسقط عندما تجد اليد التي تحملها أداة إنتاج تكفل لها حياة كريمة.
المقترح التأسيسي: المجلس الأعلى للإنتاج القومي
للقطع مع اقتصاد الحرب، يجب الانتقال من الحلول الترقيعية إلى التشريعات السيادية الصارمة.
الإجراء: إقرار مادة حاكمة في الدستور الانتقالي تُجرم تصدير أي مورد سيادي (كالذهب، الماشية، الصمغ، الجلود) في صورته الخام دون إضافة قيمة تصنيعية بنسبة يحددها القانون. يترافق ذلك مع التصفية الإجبارية الفورية لجميع استثمارات الأجهزة العسكرية والمجموعات المسلحة.
المؤسسة: تأسيس “المجلس الأعلى للاقتصاد والإنتاج القومي”، بقيادة تكنوقراط مدنيين مستقلين. يُشرف هذا المجلس على استرداد أصول كارتيلات الحرب والشركات الرمادية، وتوجيهها حصرياً كقروض ميسرة لدعم القطاع الزراعي وإعادة تشغيل المصانع الوطنية المتوقفة.
معيار النجاح: توقف استيراد السلع الكمالية والمواد الغذائية التي يمكن إنتاجها محلياً بنسبة 100% خلال الفترة الانتقالية. وربط مؤشرات أداء وزارة المالية بحجم الإيرادات الضريبية المحصلة من القطاعات الإنتاجية المدنية، والتوقف التام عن تمويل الميزانية عبر طباعة النقود ومضاربات بيع الذهب الخام.
القاعدة الملزمة
السلام الذي لا يدير عجلة المصنع والمزرعة، هو مجرد استراحة لتمويل الحرب القادمة.



إرسال التعليق