مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية: الامتحان المكشوف (4) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية: الامتحان المكشوف (4)

الجيش الجديد.. أو لا جيش

مدخل:
في قلب الخرطوم، وخلف الأسوار العالية للقيادة العامة للجيش، يجلس جنرال ببدلته العسكرية المُزينة بالأوسمة داخل مكتبه الوثير. الطاولة أمامه لا تحمل خرائط أو خطط لحماية الحدود، ولا خططاً لتطوير منظومة الدفاع الجوي او رفع كفاءة الجندي “ابلدا”. بدلاً من ذلك، تتكدس أمامه عقود لشركات تصدير اللحوم، و الصمغ و الحبوب، وأوراق عطاءات لمشاريع بناء تجارية. في الخارج، وتحت شمس الظهيرة الحارقة، يقف الجندي شاب بحذاء متهالك، يحرس بوابة المؤسسة التي ابتلعت مستقبله. الجنرال في الداخل لا يوقع أوامر عسكرية، بل يُدير شبكة معقدة من اقتصاد النهب المصلح. الجندي في الخارج لا يحمي وطناً، بل يحرس استثمارات ضخمة لا يملك منها ثمن وجبته. هذا التناقض يلخص الأزمة؛ البندقية هنا لم تُرفع لحراسة الأرض، بل لتأمين خزائن كليبتوقراطية دولة 56.

السؤال: ما شروط بناء مؤسسة عسكرية لا تُنتج جنرالات سياسيين؟ وكيف نُفكك كارتيل السلاح الذي يبتلع الاقتصاد، لنجيب على السؤال الحتمي: هل نحتاج إلى إصلاح الجيش القديم، أم بناء جيش جديد بالكامل، أم أن خيار “اللا جيش” هو العلاج الفعال للصدمة الجمعية؟

أولاً: الجيش ككارتيل اقتصادي وسياسي

الجيوش في الأنظمة الكليبتوقراطية لا تستولي على السلطة لحماية الأمن القومي. الانقلابات العسكرية هي في جوهرها عمليات استحواذ تجارية مسلحة. عندما تخرج المؤسسة العسكرية من ثكناتها إلى الأسواق، تتحول البندقية من أداة سيادية إلى رأس مال استثماري. المؤسسة العسكرية هنا لم تعد مجرد جيش يتدخل في السياسة، بل أصبحت “كارتيلاً” اقتصادياً ضخماً يحتكر الموارد الاستراتيجية. هذا التحول يلغي وظيفة الجيش الدستورية ويحوله إلى أكبر عائق أمام التنمية.

هذا التحول الهيكلي ليس مجرد فساد أفراد، بل هو سياسة مؤسسية موثقة. تشير تقارير المنظمات الدولية، مثل مجموعة الأزمات الدولية (ICG)، إلى مدى توغل الأجهزة الأمنية والعسكرية في الاقتصاد المدني. تمتلك هذه الأجهزة شبكات معقدة من الشركات المعفاة من الضرائب والرقابة التشريعية.

المؤسسة العسكرية تدير مسالخ اللحوم، وتتحكم في مناجم الذهب، وتحتكر استيراد الوقود.

هذا التوغل يجعل الجنرال يفكر كمدير تنفيذي يبحث عن الربح، وليس كقائد عسكري يبحث عن النصر. المنافسة هنا تصبح مستحيلة أمام الرأسمالية الوطنية المدنية.

النتيجة الحتمية لهذا الوضع هي انهيار الكفاءة القتالية. لا يمكن لجيش أن ينجح في ساحة المعركة بينما قادته مشغولون بمضاربات العملة وتهريب الموارد. هكذا، يتشكل اقتصاد النهب المصلح في المركز، حيث تُستخدم ميزانية الدولة لتمويل آلة عسكرية تحمي مصالحها الخاصة فقط. إصلاح هذا الهيكل من الداخل يُعد وهماً كبيراً. المنظومة مصممة أساساً لرفض أي رقابة مدنية على خزائنها. الجنرال الذي يتذوق طعم المليارات خارج الميزانية، لن يعود طوعاً للعيش على راتبه الحكومي.

ثانياً: وهم الدمج كإعادة تدوير للكليبتوقراطية

لقد جرب السودان مراراً وتكراراً فكرة “الدمج” كحل لأزماته الأمنية. في كل اتفاق سلام، يُنص على دمج مقاتلي الحركات المسلحة داخل الجيش القومي. لكن التاريخ يثبت أن هذا الدمج كان وهماً مؤسسياً قاتلاً. بدلاً من بناء جيش وطني مهني، تحولت الترتيبات الأمنية إلى محض تقاسم للغنائم العسكرية والاقتصادية. دمج القوات لم يكن يوماً مشروعاً لتطوير العقيدة القتالية. كان دائماً عملية استيعاب سياسي تُبقي على ولاءات الجنود لقادتهم المباشرين، لا للوطن.

مؤسسة دولة 56 لا تدمج المقاتلين لبناء عقيدة وطنية. هي تستوعب قادتهم لاحتوائهم داخل منظومة النهب المصلح.

يتحول قادة الفصائل إلى جنرالات يمتلكون حصصاً في كارتيل الاقتصاد العسكري. أما الجنود الصغار، فيتم تهميشهم أو استخدامهم كوقود لحروب المركز الجديدة لحماية الوضع القائم. يتم توظيف هؤلاء المقاتلين في قمع مجتمعاتهم الأصلية. هذه هي الآلية الأخبث لما يُعرف بالهندسة الاجتماعية، حيث تشتري المؤسسة العسكرية المتمردين لضرب المتمردين الآخرين.

النتيجة الحتمية كانت توسيع دائرة المليشيات داخل الهيكل الرسمي للدولة. تعددت الجيوش وتعددت ولاءاتها، وأصبح لكل قائد فصيل قواته الخاصة التي تتسربل بزي الدولة. هذا ليس دمجاً، بل هو تقنين رسمي لاقتصاد النهب المسلح داخل العاصمة نفسها. مؤسسة فاسدة هيكلياً لا يمكنها أن تطهر مليشيا عقائدية؛ بل المليشيا هي التي تتعلم كيف تستفيد من فساد المؤسسة المضيفة. الدمج في جيش كليبتوقراطي هو ببساطة دعوة لمشاركة لصوص جدد في الكعكة القديمة.

ثالثاً: الاقتصاد السياسي للرتب العسكرية

لا تتوقف مشكلة الجيش السوداني عند السيطرة على الاقتصاد الكلي، بل تمتد إلى كيفية توزيع الثروة والسلطة داخل المؤسسة نفسها. الرتب العسكرية العليا في جيش دولة 56 ليست مجرد درجات مهنية تعكس الكفاءة أو الخبرة الميدانية. إنها في الواقع “أسهم” في شركة مساهمة مغلقة. كلما ارتفعت رتبة الضابط، زادت حصته من امتيازات النهب المصلح. يُمنح الضباط الكبار مجالس إدارات الشركات، وتسهيلات بنكية، وقطع أراضٍ استثمارية، لضمان ولائهم المطلق للمركز.

في المقابل، يعيش الجنود وصغار الضباط في قاع الهرم الاقتصادي. هؤلاء هم الذين يخوضون المعارك الحقيقية، وينامون في الخنادق، ويواجهون الموت المباشر. يتم إطعامهم بشعارات حماية الوطن والدين، بينما يُسلبون أبسط حقوق المواطنة الكاملة. التفاوت الطبقي داخل المؤسسة العسكرية أعمق من التفاوت في المجتمع المدني. الجيش هنا يعمل كأداة لإعادة إنتاج الفقر بين قواعده، مقابل تكديس الثروة في قمته.

هذا الخلل البنيوي يفسر لماذا تفشل الجيوش المسيسة في حسم حروبها. الجندي المنهك الذي يقاتل بحذاء ممزق وراتب لا يكفي لإطعام أطفاله، لا يمكن أن يمتلك عقيدة قتالية صلبة. هو يدرك في قرارة نفسه أنه يحمي استثمارات الجنرال، وليس حدود الوطن. عندما يواجه هذا الجندي مليشيا تقاتل بدافع الغنيمة المباشرة (النهب المسلح)، ينهار التماسك العسكري الرسمي بسرعة. الجيوش التي تُبنى على الامتيازات الطبقية تسقط عند أول اختبار وجودي حقيقي.

رابعاً: الدرس المقارن: بين الاستغناء وإعادة البناء

أمام هذا الانسداد الهيكلي، يجب أن ننظر إلى تجارب الدول المقارنة بشجاعة لكسر السردية الرسمية.
يطرح نموذج كوستاريكا حلاً جذرياً غير مألوف. في عام 1948، اتخذت كوستاريكا قراراً تاريخياً بإلغاء جيشها تماماً لتجنب الانقلابات العسكرية المتكررة. تم تحويل ميزانية التسليح بالكامل إلى قطاعي التعليم والصحة. النتيجة هي أن كوستاريكا أصبحت واحة للاستقرار الديمقراطي في أمريكا الوسطى، وحققت طفرة اقتصادية هائلة. خيار “اللا جيش” ليس رومانسية سياسية، بل هو علاج عملي من الصدمة الجمعية في المجتمعات التي أهلكتها طموحات جنرالاتها.

في المقابل، يقدم النموذج الرواندي خيار إعادة البناء من الصفر. بعد إبادة عام 1994، أدركت القيادة الجديدة أن دمج مقاتليها مع جيش الإبادة القديم هو وصفة لانتحار الدولة. تم تفكيك الجيش القديم بالكامل، وتم بناء مؤسسة عسكرية جديدة بعقيدة وطنية صارمة تمنع التسييس والانحياز الإثني. جيش رواندا الجديد يخضع لرقابة صارمة، ولا يُسمح لقادته بممارسة التجارة الجانبية. الدولة هناك احتكرت العنف لفرض القانون، لا لنهب الموارد.

الدرس للسودان واضح وقاطع. محاولة إصلاح كارتيل عسكري يسيطر على الاقتصاد هي مضيعة للوقت والدم. خيارات مكونات تحالف التأسيس يجب أن تنحصر في مسارين. إما تفكيك هذا الهيكل من جذوره وبناء جيش احترافي جديد بعقيدة حماية الحدود والدستور، أو الاستغناء عن المؤسسة العسكرية كلياً لصالح قوات أمن داخلي لا تملك طموحاً أو دبابات لحكم البلاد. أنصاف الحلول تعني بالضرورة العودة إلى نقطة الصفر.

خامساً: احتكار العنف الدستوري وعقيدة التحالف

لا يمكن بناء ديمقراطية مستدامة دون إخضاع البندقية للسلطة المدنية. يؤكد عالم السياسة Samuel Huntington في نظريته حول العلاقات المدنية-العسكرية، أن الجيوش تفقد احترافيتها القتالية بمجرد تدخلها في السياسة ولعبها دوراً اقتصادياً. السيطرة المدنية الموضوعية تعني أن الجيش أداة احترافية تنفذ سياسة الدولة، ولا تصنعها. عندما يصبح الجنرال صانعاً للقرار السياسي، يتحول الجيش إلى حزب سياسي مسلح، ويفقد شرعيته القومية فوراً.

يجب أن يتبنى تحالف التأسيس عقيدة صارمة تقوم على احتكار العنف الدستوري لصالح الدولة المدنية فقط. التفاوض على استقلالية ميزانية الجيش أو صلاحياته الاقتصادية هو تنازل مبكر عن جوهر الدولة. الجيوش تُبنى لحماية الحدود والدستور، وليس لصياغته أو التكسب من موارده. أي حكومة انتقالية قادمة لا تضع يدها بالكامل على وزارة الدفاع وميزانيتها، هي حكومة رهينة تنتظر الانقلاب القادم.

الشفافية العسكرية ليست ترفاً، بل هي شرط للبقاء. يجب أن تُنشر ميزانية التسليح علناً، ويجب أن يوافق البرلمان المدني على كل صفقة. الجنرال يجب أن يرتعد أمام لجنة المراقبة المالية المدنية، تماماً كما يرتعد أمام الأشاوس الآن.

بدون هذه القطيعة المؤسسية الشاملة، سيظل السودان يدور في حلقة مفرغة بين ثورات تُسرق، وانقلابات تُشرعن النهب المستمر.

وقود حروب الجنرالات!

في أحد أسواق أم درمان، يجلس “عوض”، وهو جندي معاش بُترت قدمه في إحدى الحروب. بدارجة سودانية تقطر ألماً يقول: “نحن بنموت في الخلا عشان هم يبنوا عمارات في العاصمة، ولما نقع، بجدعونا زي الكيس الفاضي”.

هذه الشهادة المريرة تُعرّي أسطورة التضحية القومية التي يروج لها كبار الضباط. يدرك الجندي البسيط أنه ليس سوى حطب لحروب تحمي منظومة النهب المصلح. الجنود الصغار في قاعدة الهرم هم ضحايا لهذه المؤسسة تماماً كالمواطن الأعزل. غياب الرقابة المدنية يجعل الجندي مجرد أداة لحماية ثروات الجنرالات، بينما تُترك أسرته لتواجه الفقر المدقع في الأطراف.

المقترح التأسيسي:

مجلس الأمن القومي المدني لإنهاء هذه الهيمنة، يجب اتخاذ قرارات جراحية مؤسسية لا تقبل المساومة.

الإجراء: التصفية الكاملة لجميع الشركات المدنية والاستثمارية التابعة للجيش والأجهزة الأمنية، ونقل أصولها فوراً لولاية وزارة المالية وإخضاعها للمراجعة القومية.
المؤسسية: تأسيس “مجلس الأمن القومي المدني”، بقيادة مدنية خالصة ومنتخبة، ليكون الجهة الوحيدة المخولة بتحديد العقيدة العسكرية، تعيين القيادات العليا، ومراقبة ميزانية التسليح.

معيار النجاح: خروج المؤسسة العسكرية بنسبة 100% من أي نشاط تجاري أو سياسي خلال فترة زمنية محددة سلفاً، وتحويل الجيش إلى مؤسسة خدمية تخضع كلياً لقرارات البرلمان.
القاعدة الملزمة: الجيش الذي يتاجر في الأسواق لا يحرس حدوداً، والجنرال الذي يحكم لا يبني دولة.

إذا نجحنا في إخضاع البندقية لسلطة الشعب، فما الذي يضمن ألا يستبد المدنيون أنفسهم؟ لماذا يتحول المناضل الذي هتف للحرية إلى طاغية بمجرد جلوسه على الكرسي؟

إرسال التعليق

لقد فاتك