مليح يعقوب : رقصة “الدرملي”: سيمفونية الانصهار وترياق التنوع في كردفان
تعتبر رقصة “الدرملي” واحدة من أبهى تجليات الفنون الشعبية السودانية؛ و هي عبارة عن طقس احتفالي فريد، وغناء جماعي يمتزج فيه صوت الرجال والنساء في وحدة نغمية متجانسة. إنها “وثيقة اجتماعية” حية تجسد عبقرية التعايش بين مكونات إقليم جنوب كردفان. نشأت هذه الرقصة في المنطقة الشرقية من الإقليم، وتحديداً في حواضن (تلودي، كلوقي، والليري) وما جاورها، ثم انتقلت مشافهة لتعمَّ بوادي كردفان، مستقرة كأيقونة فنية لدى مجموعات الحوازمة، والكنانة، وأولاد حميد، وغيرهم من المجموعات الرعوية التي طورتها بأسلوب مواكب ولافت للأنظار.
أولاً: عبقرية التطور والانتشار
لقد تجاوزت “الدرملي” حيز البوادي لتصبح فنًا شعبياً أثيراً في المدن والأرياف على حد سواء. ويعزى سر انتشارها الطاغي إلى قيمها الكامنة ودلالاتها السامية؛ حيث تكتمل اللوحة بروعة الكلمات، وعذوبة الألحان، ورشاقة الأداء التي يغذيها براعة الراقصين وحنكة “الحكامات”. فالدرملي رقصة تشاركية تعزز معاني الوحدة والانصهار، وقد نجحت في مد جسور الود والتصافي، عابرةً حدود كردفان لتستقر في وجدان السودانيين بكافة ولاياتهم.
ثانياً: الهوية الموسيقية.. “المنطقة الإيقاعية الوسطى”
تُصنف الدرملي كإحدى أحدث رقصات “البقارة”، وهي فن هجين مستلهم من تراثهم القديم المشترك مع رعاة الماشية في السودان وامتداداتهم في غرب وأواسط إفريقيا. وما يميز الدرملي تقاطعها في “منطقة إيقاعية وسطى” بين رقصة “المردوم” لدى البقارة ورقصة “الكرنق” عند النوبة، مما جعلها جسراً ثقافياً يربط بذكاء بين المكونين العربي والإفريقي. ويلاحظ أن ميزانها الإيقاعي يتقاطع مع رقصات عديدة مثل (الكلش، الوازا، الكشوك، الهجوري، أم سلبونج، الديتاني، أم ردس، الكدنداية، والربّة “كشح البن”)؛ فعلى الرغم من اختلاف التشكيل الحركي و”الترادف الإيقاعي”، إلا أنها تشترك جميعاً في وحدة الوجدان السوداني رغم تنوع المشارب.
ثالثاً: المسرح الفلكلوري.. طقوس الأداء والدهشة
تمثل الدرملي مسرحاً فلكلورياً متكاملاً، يخضع لمعايير صارمة تحفظه من التشوه أو الابتذال. فعند الأداء، يتحرك الجميع في حلقة شبه دائرية (قوس)، يتقدمها الرجال وأحياناً النساء؛ حيث يصدح الطرف المتقدم (الروق الأمامي) بالمقطع الأول، ليكمله الطرف المتأخر (الروق الخلفي) في “هارموني” فطري يدهش الناظرين.
وتصل الرقصة ذروتها عند “الكسرة”، وهي اللحظة التي يتصاعد فيها الإيقاع وضرب الأرجل وفقاً لانفعالات اللحظة. وفي هذه الجذوة الإبداعية، يبرز طقس “شراب الألمي” (أي شرب الماء)، حيث ينتقل الراقص أو الراقصة إلى مركز الدائرة لأداء التحية، وقد تختار الراقصة من يناسبها ليحظى بـ “شبالها” المعتق برائحة “التربلول” والعطور البدوية الأصيلة.
رابعاً: التوثيق الفني والأثر المعاصر
تاريخياً، يُسجل للفنان الراحل المقيم عباس عبدو (ابن مدينة الدلنج) أنه أول مطرب سوداني ينقل “الدرملي” إلى أثير الإذاعة القومية بإيقاعها الأصلي. كما أبدع الفنان الكردفاني سليمان أحمد عمر (ابن مدينة الدبيبات) في أداء الدرملي وتوثيقها بمصاحبة العود والكمان والصفارة، مما ساهم في ذيوع أغانيه في المناسبات كافة، حتى غدت “الدرملي” هي الملاذ المبهج للشباب للاستراحة من صخب وعناء رقصات المردوم والنقارة.
وبينما ينصرف البعض لمشاهدة “القيدومة” أو المشاركة في “الشوبش”، تظل الدرملي هي الخيط الناظم الذي يربط الأجيال. ومن أشهر روائعها أغنية “الجنزير التقيل” التي لخصت قيم الفراسة والرفقة:
”الجنزير التقيل البقلا ياتو.. البُوقد نارا بدفّاها هو.. يا ولد أب درجات المؤصل ماك نَفُو.. يوم الحار الزول بلقى أخو”.
وللأمانة التاريخية، يظل الفنان عباس عبدو هو الرائد الذي نقل هذه الأغنية من “الأصالة” إلى “الحداثة”، حيث قام بتطوير مقطعها الأساسي وبنائها فنياً حتى استحالت مؤلفاً أدبياً مكتمل الأركان، سُجل رسمياً في مكتبة الإذاعة السودانية، ليحفظ لهذا الفن خلوده.
خاتمة
نرى في رقصة”الدرملي” آلية اجتماعية فطرية لإدارة التنوع وصناعة السلام المجتمعي. إن الحفاظ عليها وتوثيقها هو حماية للنسيج السوداني من التمزق، ودعوة صادقة للاحتفاء بكل ما يجمعنا في وطن يتسع للجميع.


إرسال التعليق