مجدي محمد : هندسة الانقسام: كيف تُزرع "الألغام القبلية" في جسد الثورات السودانية؟ - صوت الوحدة

مجدي محمد : هندسة الانقسام: كيف تُزرع “الألغام القبلية” في جسد الثورات السودانية؟

دراسة في الأنثروبولوجيا السياسية للتفتيت: من “رفاق السلاح” إلى “أعداء القبيلة”

كيف نحول (الوعي) إلى (سلطة)؟..

في كل حراك ثوري أو حركة تحرر سودانية، يتكرر مشهد درامي محفور في ذاكرتنا الوطنية بوجع: يبدأ “رفاق السلاح” رحلتهم في الجبال والأحراش، يتقاسمون الرغيف ويهتفون “عدونا واحد.. وطننا واحد”. وفجأة، وبسرعة تثير الحيرة، تنفجر الألغام من الداخل؛ فيتحول الخطاب من “السودان الجديد” إلى “سيادة الدينكا”، ومن “إسقاط التهميش” إلى “هيمنة الزغاوة”، وينتهي المشهد بمجازر طائفية يذبح فيها الأخ أخاه.

هل هذا قدر بيولوجي؟ هل القبيلة غريزة لا تُروَّض؟ الجواب القاطع هو “لا”. نحن أمام عملية “هندسة اجتماعية” مُمنهجة، تُدار بمشرط جراح استخباراتي بارع، يحوّل التنوع من مصدر قوة إلى قنبلة موقوتة.

أولاً: سوسيولوجيا التفتيت.. لماذا نسقط في فخ “نحن وهم”؟

لفهم هذا الانفجار، يجب العودة إلى “علم اجتماع الانقسام”. تشير تجارب عالم النفس هنري تاجفل إلى أن العقل البشري يميل فطرياً إلى “التصنيف”؛ وبمجرد وضع البشر في مجموعتين (حتى لأسباب تافهة)، يبدأ الانحياز للمجموعة الداخلية والعداء للمجموعة الخارجية.

هذا الميل الفطري هو “المادة الخام” التي يشكلها القادة السياسيون. ويؤكد الأنثروبولوجي فريدريك بارث أن الهوية الإثنية ليست “معطى طبيعياً” ثابتاً، بل هي “حدود مرنة” يتم استدعاؤها أو إخفاؤها بناءً على المصلحة. في السودان، نرى الشخص ذاته “دارفورياً” في الخرطوم، لكنه يصبح “فوراوياً” أو “زغاوياً” داخل دارفور. من الذي يضغط على زر استدعاء الهوية الضيقة؟ إنه من يملك المصلحة في الانقسام.

إرث “فرّق تسُد”: من الاستعمار إلى “دولة 56”

لم تخترع النخب السودانية الذرة، بل ورثت أدوات الاستعمار البريطاني الذي حوّل القبيلة من “هوية ثقافية” إلى “وحدة سياسية” جامدة عبر:

تجميد الهويات: عبر بطاقات الهوية الإثنية (كما حدث في رواندا).
الإدارة الأهلية: تحويل الزعماء القبليين إلى موظفين لدى السلطة.
التسليح الانتقائي: صناعة المليشيات القبلية لضرب النسيج الاجتماعي.

“خديعة الامتياز: كيف تم تزييف وعي فقراء الشمال؟”.

إن أخطر ما فعلته هندسة 56 هو أنها لم تكتفِ بظلم الهامش بالسلاح، بل ظلمت الشمال بالوهم. لقد باعت لفقير الشمال ‘السيادة’ لكي تنسيه ‘المواطنة’، فأصبح يحرس قصوراً لا يسكنها، ويدافع عن سلطة لا تراه إلا وقوداً لحروب نشر الكراهية. إن تحرر السودان لن يكتمل الا في اللحظة التي يدرك فيها إنسان الشمال “المنسي” أن عدوه ليس رفيقه في دارفور، بل هو ذات المهندس الاجتماعي الذي يزرع الألغام بينهما.

ثانياً: “دليل العمليات”.. 5 خطوات استخباراتية لتفجير الحركات من الداخل

عندما تدخل غرف عمليات أجهزة الأمن والمخابرات، وأمن القبائل، تجد أن تفكيك الحركات المسلحة يتبع بروتوكولاً واحداً، دقيقاً:

1/ رسم الخريطة الإثنية: تحديد نقاط الضعف والقبائل “المحرومة” داخل قيادة الحركة.
2/ بذر الشك (العمليات النفسية): عبر الإشاعات الممنهجة (“القائد يفضل أبناء جلدته”، “الأموال تذهب لعشيرته”).
3/ صناعة “الحادثة الشرارة”: تنفيذ اغتيالات غامضة لقادة من قبائل معينة أو هجمات “علم زائف” (False Flag) لإثارة الثارات.
4/ تجنيد “الانتهازي الطموح”: البحث عن قائد ميداني يشعر بالتهميش، وإغراؤه بالمال والسلاح والشرعية ليعلن انشقاقه تحت شعار “حفظ حقوق قبيلته”.
5/ إدارة الصراع المستدام: تقديم الدعم للطرفين لضمان عدم انتصار أحدهما، واستنزاف قوتهما في معارك بينية بدلاً من مواجهة المركز.

ثالثاً: المختبر السوداني.. مآسي “الناصر” و”دارفور”

تعتبر “انشقاق الناصر 1991” الحالة الكلاسيكية لهذه الهندسة الاجتماعية؛ حيث استغلت استخبارات الخرطوم التوتر بين (الدينكا والنوير) لضرب مشروع “السودان الجديد” لقرنق. النتيجة لم تكن “ديمقراطية داخل الحركة” كما زعم المنشقون، بل كانت “مذبحة بور” التي راح ضحيتها الآلاف. تقرير نشرته صحف أمريكية تؤكد مشاركة عناصر من كيزان أمن القبائل و مليشيات “الاستراتيجية” و الدفاع الشعبي في مذبحة بور.

وفي دارفور، تحول الحراك من حركتين رئيسيتين، حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة في 2003، إلى أكثر من 40 فصيلاً بحلول 2010. كل اتفاق سلام جزئي كان في الحقيقة “لغماً” جديداً يصنع انشقاقاً إثنياً جديداً، محولاً الثورة الشعبية إلى “سوق سياسي” للمقاولات القبلية.

رابعاً: آليات “نزع الإنسانية”.. كيف نقتل رفيق الأمس؟

لكي يضغط المقاتل على الزناد في وجه رفيقه، يحتاج إلى “تخدير أخلاقي”. تستخدم الماكينة الإعلامية لغة “الحشرات” أو “العبيد” أو “الخونة” لنزع الصفة البشرية عن الآخر. عندما يصبح رفيقك “صرصوراً” أو “عدواً وجودياً”، يصبح قتله واجباً مقدساً لا جريمة.

خامساً: خارطة الطريق نحو “المناعة الوطنية”

إن كسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب استراتيجيات تتجاوز العاطفة إلى المؤسسية.

من اجل الانتقال من حالة “الهشاشة القبلية” إلى “المناعة الوطنية” يجب تجاوز الحلول التسكينية نحو بناء “نظام تشغيل سياسي جديد” يعتمد على خمسة ركائز سيادية:

  1. “التلقيح الفكري”: الوعي بآليات التلاعب الاستخباراتي
    لا تنجح هندسة الانقسام إلا في بيئة يسودها “الجهل بالآخر”. المناعة تبدأ ببرامج توعية مكثفة داخل القواعد المقاتلة والمدنية، تحول “المعلومة” إلى “سلاح”.
    الشرح: يجب أن يدرك المقاتل أن “الإشاعة” التي تصله عن رفيقه ليست صدفة، بل هي “منتج استخباراتي” خضع للاختبار في غرف مغلقة. عندما يفهم الكادر الثوري تاريخ الانشقاقات (مثل انشقاق 1991 أو تفتت فصائل دارفور) كدروس سريرية، فإنه يطور “مجسات” تحذيرية ضد أي خطاب يحول الصراع من “سياسي ضد المركز” إلى “إثني ضد الجار” والرفيق.
  2. “نزع شخصنة السلطة”: البناء المؤسسي العابر للإثنيات
    المعضلة السودانية تكمن في أن “التنظيم هو القائد، والقائد هو القبيلة”. المناعة تقتضي تحويل الولاء من “الفرد” إلى “المؤسسة”.
    الشرح: لن يطمئن الكادر “المهمش” إلا إذا رأى “ديمقراطية الموارد والقرار”. وهذا يتطلب:
    نظام الحوكمة الراديكالي: توزيع الصلاحيات بحيث لا تجتمع خيوط المال والسلاح والقرار في يد إثنية واحدة.
    مأسسة التظلم: وجود قنوات رسمية للشكوى من “التهميش الداخلي” تجعل المنشق المحتمل يختار “صندوق الشكاوى” بدلاً من “صندوق الذخيرة”.
  3. “الاندماج العضوي”: تذويب الهويات الصغرى في وحدات المصير
    القبيلة تزدهر في “العزل”. المناعة تُبنى بالاختلاط الذي يفرض “الاعتماد المتبادل”.
    الشرح: لا يكفي الحديث عن الوحدة، بل يجب ممارستها في أدق التفاصيل العسكرية والاجتماعية.
    الوحدات المختلطة قسرياً: وضع مقاتلين من قبائل (تاريخياً متصارعة) في خندق واحد، حيث تتوقف حياة “أ” على طلقة من بندقية “ب” هذا “التحالف الغريزي” من أجل البقاء هو الذي يكسر الصورة النمطية التي رسمتها الاستخبارات.
    المصاهرة الرمزية: تشجيع بناء شبكة قرابة اجتماعية عابرة للقبائل داخل الجسم الثوري، لتحويل “الرفقة” إلى “نسب”.
  4. “العدالة التوزيعية”: الشفافية المالية كمطهر للشكوك
    المال هو “الوقود” المفضل لإشعال الحروب القبلية.
    الإشاعة التي تقول “قبيلة القائد تسرق الدعم”، تلك الإشاعة لا تموت بالخطابات، بل بالأرقام.
    الشرح: الشفافية المطلقة في الموارد (سلاح، مؤن، أموال) هي “المطهر” الذي يقتل بكتيريا الشك. عندما يرى الجندي في الميدان أن “ابن قبيلة القائد” يتلقى نفس الحصص التي يتلقاها هو، تسقط أعظم أدوات التجنيد الاستخباراتي (الإغراء والابتزاز). المناعة هنا تعني تحويل المورد من “غنيمة قبلية” إلى “حق مواطنة تنظيمي”.
  5. “الميثاق الأخلاقي”: تجريم الكراهية كخيانة عظمى
    في المجتمعات الهشة، الكلمة رصاصة. المناعة تتطلب وضع “خطوط حمراء” أخلاقية وقانونية لا تقبل التأويل.
    الشرح: يجب أن يدرك كل فرد في الحركة/ التحالف أن استخدام “اللفظ القبلي” أو التحريض الإثني ليس “وجهة نظر”، بل هو “خيانة عظمى” تُعادل التخابر مع العدو.

المحكمة الأخلاقية المستقلة: إنشاء جسم رقابي يضم حكماء من كافة المكونات، مهمته مراقبة “لغة الخطاب” ومحاسبة القيادات قبل الجنود على أي انزلاق عنصري. هذا الجسم هو “صمام الأمان” الذي يمنع تراكم الأحقاد الصامتة.

هذه الركائز تهدف إلى نقل الإنسان السوداني من حالة “الكائن القبلي” الذي يحتمي بعشيرته ضد الدولة، إلى حالة “المواطن الثوري” الذي يحتمي بالمؤسسة ضد تغول الدولة/القبيلة. إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سياسية؛ فالمناعة لا تعني إلغاء القبيلة ككيان اجتماعي، بل “تقليم أظافرها” السياسية ومنعها من نهش جسد الوحدة الوطنية.

“الاستيقاظ الكبير”.. ما وراء مرآة الخديعة

إن الحقيقة التي تحاول “هندسة الانقسام” إخفاءها بكل قوتها هي أن الضحية في السودان ليست عرقاً واحداً أو جهة بعينها. الحقيقة الصادمة هي أن “إنسان الشمال المنسي” الذي يعيش في أزقة الفقر وقرى العطش، و دهاليز الغربة و آلامها هو توأم “إنسان الهامش” الذي يواجه الرصاص في الجبال. لقد باعوا له “وهماً” بأنه سيد هذا البلد لكي ينسى أنه لا تملك فيه مشفىً يعالجه أو مدرسةً تؤوي أطفاله. لقد حوّلوه إلى “حارس لقصورهم” مقابل أجر نفسي وهموي زهيد يسمى “التفوق العرقي”، وهو أجر لا يطعم خبزاً ولا يبني وطناً. عدوه ليس القادم من دارفور أو النيل الأزرق طالباً للعدالة، بل عدوه هو “المهندس” الذي أقنعه بأن أخاه في الفقر والحرمان هو عدوه في الوجود.

أما ابن الهامش الذي أعيته الانقسامات: عدوه ليس ذلك المزارع البسيط في أقاصي الشمال الذي لا يملك من أمره شيئاً. عدوه هو ذات “الجراح الاستخباراتي” الذي يزرع في روعه أن “الشمالي” هو سبب مأساته، لكي يضمن ألا يضع يده في يد بعضهم يوماً ما، فتسقط عروش “دولة الأقلية” التي تنهب الجميع.

السودان لن يتعافى طالما ظللنا نرى بعضنا عبر ‘العدسات’ التي صنعها لنا جهاز أمن القبائل وضباط الأمن منزوعي الضمير من أمثال (صلاح كوهين).

التعافي يبدأ اللحظة التي يدرك فيها فقير ‘الباو’ وفلاح ‘البركل’ أن آلامهما واحدة، وأن المستفيد الوحيد من طعناتهما المتبادلة هو ذلك المهندس القابع في برجه العاجي، يراقب احتراقنا بدم بارد.”

إن السؤال الذي يحدد مصيرنا ليس: “من أين أنت؟” بل: “من الذي يسرقنا جميعاً؟” فإما أن نكسر هذه المرآة المزيفة ونرى وجوهنا الحقيقية كضحايا لجلاد واحد.. وإما أن نستمر في “الرقص القومي” على جثث بعضنا البعض، حتى لا يبقى في هذا السودان باقٍ.

خاتمة: القبيلة ليست قدراً.. إنها خيار

الحقيقة المرة هي أن الاستخبارات والأنظمة القمعية يلعبون دورهم، لكننا نحن من نمنحهم “المادة الخام”. القبيلة في السودان أصبحت “أداة انتحار جماعي” لأننا اخترنا أن نستدعيها في لحظات الصراع ونخفيها في لحظات البناء.

إن السؤال الذي يواجه كل سوداني اليوم: هل سنظل “فئران تجارب” في مختبرات “دولة 56″؟ أم سنعلن أن هويتنا الوطنية أوسع من حدود القبيلة؟

إذا لم نكسر هذا القالب، فإن حروبنا القادمة لن تكون من أجل “التحرير”، بل ستكون حفلة فناء جماعي لن يخرج منها أحد منتصراً.

إرسال التعليق

لقد فاتك