مجدي محمد : اقتصاد الكراهية: كيف استنسخت “دولة 56” نفسها في حركات الهامش؟
الكارتيل النيلي – شركات “العائلة المقدسة”
المانيفستو الكامل: كشف “الواجهات” وتفكيك “فيروس 56” من الداخل والخارج
مقدمة: “دولة 56” “نظام القيم الفاسدة”
في أدبيات الثورات، يُقال إن “الثورة تأكل أبناءها”، لكن في السودان، الثورة يتم “بيعها” في مزاد علني تديره نخبة احتكرت السياسة كما احتكرت الاقتصاد. إن مأساة “فيروس 56” لا تكمن فقط في البندقية، بل في “العقل” الذي يحركها.
لقد ظللنا نلعن الظل (الانقلابات العسكرية) ونترك الفيل (الحاضنة السياسية المشوهة). فالدولة السودانية القديمة لم تسقط لأن أحزابها – يمينها ويسارها وطوائفها – لم تكن أحزاباً سياسية بالمعنى الحديث، بل كانت “شركات عائلية” مغلقة، تتستر خلف شعارات الديمقراطية والمدنية، بينما تمارس في الخفاء أبشع أنواع “الأبارتهايد” والإقصاء، متحالفة مع العسكر لضمان بقاء “دولة الغنيمة”.
منذ استقلال السودان عام 1956، لم تسقط دولة الامتياز النيلي-الجلابي مرة واحدة رغم ثلاث ثورات شعبية وحروب أهلية متواصلة. السر ليس في قوتها العسكرية فحسب، بل في نجاحها الشيطاني في “غرس قيمها الأخلاقية المشوهة” داخل خصومها. في قلب الأزمة السودانية المستمرة، تكشف وثائق وشهادات عن شبكة معقدة من التحالفات الخفية ربطت بين النخب السياسية والطائفية والتجارية والعسكرية عبر عقود من الزمن. تحالفات تجاوزت فيها روابط الدم والقرابة الخلافات الأيديولوجية، وحافظت من خلالها أسر بعينها على نفوذها الاقتصادي والسياسي تحت كل الأنظمة – من الديمقراطية إلى الدكتاتورية العسكرية وصولاً إلى الحكم الإسلامي.
لقد هندست الدولة المجال السياسي والاقتصادي بحيث تكون القاعدة الوحيدة للنجاح هي معادلة : “الدولة غنيمة، والقبيلة حماية، والآخر عدو”.
من “إقطاعيات الطوائف والأيدلوجيا” إلى “أمراء الحرب”: تشريح جثة الدولة القديمة
دولة 56 ليست مجرد مباني في الخرطوم؛ إنها “مدرسة فساد” تخرج منها الجميع. في عقلية “نخبة 56″، السلطة ليست وسيلة لخدمة الناس، بل هي “بقرة حلوب” لمن يمسك بضرعها. وعندما يصاب “الثائر” بهذا الفيروس، يتحول نضاله من “مظلمة” (Grievance) تسعى لرفع الظلم، إلى “طمع” (Greed) يسعى للمشاركة في النهب.
وفي ظل غياب قانون رادع ووازع أخلاقي، نجح هذا النظام في نقل عدواه إلى الحركات المسلحة، ليحولها من “مشاريع تحرر” إلى “شركات عائلية خاصة”.
في الحلقة السابقة، شخصنا “المرض النفسي” (التماهي مع المعتدي)، وكيف يقلد الضحية جلاده لا شعورياً. اليوم، نغادر عيادة علم النفس لندخل غرفة “التشريح المالي”. إن أخطر ما ورثته بعض القوى التي تحمل السلاح اليوم من “دولة 56” ليس فقط العنصرية أو القبلية، بل مفهوم الدولة كغنيمة The State as Booty.
هذا المقال هو “تشريح” مزدوج:
داخلياً: يكشف كيف تأكل الثورة أبناءها عبر “اقتصاد الكراهية”.
خارجياً: يكشف كيف تتخفى الدولة العميقة خلف “واجهات براقة” لإعادة تدوير نفسها.
لكن قبل أن نتناول حركات الكفاح المسلح وفسادها، يجب أن نشرّح “الأب الشرعي” لهذا الفساد: النخبة السياسية في المركز.
كذبة الديمقراطية داخل “البيت الكبير
سواء تحدثنا عن أحزاب الطوائف (التي تورث الرئاسة بالجينات والدم)، أو أحزاب اليمين (مثل الحركة الإسلامية الإرهابية التي حولت الدين إلى شركة قابضة)، أو حتى أحزاب اليسار (مثل الحزب الشيوعي الذي تحول إلى “طائفة أيدلوجية” مغلقة تدار بقداسة الكهنة)؛ فإن القاسم المشترك واحد: إنها بنى شمولية، عائلية (بيولوجياً أو تنظيمياً)، تخشى الوعي وتكره الديمقراطية الحقيقية.
هذه الأحزاب ترفع شعارات “الدولة المدنية”، لكنها في تكوينها الداخلي تفتقر لأبسط قواعد الشفافية، التداول، والمؤسسية. هي مجرد واجهات خادعة، “دكاكين” سياسية يملك مفاتيحها “كبير العائلة” أو “شيخ الحركة”، ولا يُسمح فيها للعامة إلا بدور “الكومبارس”.
التحالف التاريخي: المدني “العائلي” والعسكري “البازنقر”
لماذا تفشل هذه الأحزاب دائماً في الديمقراطية وتلجأ للعسكر؟ لأن برنامجها الحقيقي ليس بناء دولة مواطنة، بل الحفاظ على امتيازاتها التاريخية وتنفيذ برنامج “أبارتهايد مقنع” باسم العروبة والإسلام.
حزب الأمة سلم عبود (تسليم مفتاح). اليسار واليمين تعاونا مع نميري. الحركة الإسلامية الإرهابية سلمت البشير. الجيش هنا ليس عدواً للأحزاب، بل هو “الذراع المسلح” للشركة العائلية، ومهمته حماية مصالحها ونهب الموارد نيابة عنها. هذا البرنامج الإقصائي لا يمكن تمريره عبر صناديق اقتراع نزيهة ووعي جماهيري حقيقي، لذلك تلجأ هذه “العائلات السياسية” إلى تسليم السلطة للمؤسسة العسكرية. المؤسسة العسكرية هنا تلعب دور “الحارس” (The Enforcer) لمصالح هذه العائلات، مستخدمة سلاح الجيش لفرض الهيمنة، وقمع الهوامش، ونهب الموارد، وتمرير الفساد. الجيش يستلم السلطة من هذه الأحزاب، وليس ضدها، لينفذ بالوكالة ما تعجز هي عن تنفيذه بالسياسة.
السقوط الداخلي.. حينما يصبح الثائر “جلاداً”
انتقال العدوى.. متلازمة “البازنقر السياسي”
أخطر انتصار حققته دولة 56 هو أنها جعلت الثائر يكره “أشخاصها” لكنه يعشق “أسلوبها”. هنا يظهر مفهوم “البازنقر” (تاريخياً: الجنود المسترقون الذين يقاتلون بشراسة لصالح أسيادهم ضد أهلهم). اليوم، نشهد ولادة “البازنقر السياسي”.
القائد الثوري الذي يخرج من الغابة، وبدلاً من أن يبني مؤسسات شفافة، يقوم ببناء “إقطاعية” مصغرة تحاكي دولة الجلابة:
الجلابة ينهبون الهامش لتسمين المركز؟ القائد ينهب “نضال الهامش” لتسمين “أسرته”.
الجلابة يحتمون بالجيش؟ القائد يحتمي بـ “أبناء عمومته” في جهاز الأمن الخاص به “حركته العشائرية”
من “حركة تحرر” إلى “شركة عائلية ذات مسؤولية محدودة”
في غياب المؤسسية، تتحول الحركة كما تحول الحزب إلى “بيزنس عائلي” (Family Business):
رئيس الحزب – القائد العام: هو “الرئيس التنفيذي والمالك الحصري”.
الدائرة المالية والأمنية: محتكرة للأشقاء والأصهار (مجلس الإدارة المغلق).
الأتباع – الجنود: هم “العمالة الرخيصة” التي تقبض الثمن “شعارات”.
الحاضنة الاجتماعية: هم “المستهلكون” الذين يتم بيعهم “وهم الحماية”.
هنا يكمن اقتصاد الكراهية: رئيس الحزب – القائد يركب “لاندكروزر” مصفحة ثمنها يبني ثلاث مدارس، بينما حواضنه تأكل التراب. إنه يستثمر في “جهلهم وفقرهم” ليظل هو المانح الوحيد، ويعيد إنتاج نفس القيم الفاسدة التي ثار ضدها.
خريطة الواجهات.. كيف تتخفى الدولة العميقة؟
بينما تنشغل الحركات بـ “شركاتها العائلية” الداخلية، تتحرك دولة 56 بذكاء عبر ثلاث واجهات براقة لاختراق الثورة وإجهاض التغيير الجذري:
الواجهة الأولى: الأحزاب “الديمقراطية” (شركات عائلية بامتياز)
الأحزاب التقليدية (الأمة، الاتحادي، واليسار واليمين) ليست مؤسسات ديمقراطية، بل هي أعرق “الشركات العائلية” في السودان.
حزب الأمة: ملكية خاصة لـ “آل المهدي”. الوظيفة: امتصاص غضب الغرب بخطاب ديني دون المساس بالمركز.
الاتحادي: ملكية خاصة لـ “آل الميرغني”. الوظيفة: تمثيل الأرستقراطية التجارية النيلية.
الخداع الحديث: يستخدمون “ناطقين شباب” يجيدون الخطابة كواجهة (Fronting)، بينما القرار في يد “الزعيم الشيخ”. هؤلاء لا يطرحون بديلاً لدولة 56، بل يطالبون بـ “حصة أكبر” في كعكتها.
الواجهة الثانية: المجتمع المدني “الفندقي” (مصنع التمييع)
في العقدين الأخيرين، فرخت دولة 56 مئات المنظمات “الحقوقية” و”المدنية” التي ترفع شعارات “لا للحرب” و”السلام”.
التمويل: مشروط بـ “الحياد” (أي عدم المساس بجذور الأزمة).
القيادة: نخبة خرطومية “ناعمة” (المثقف الفندقي) تجيد لغة المانحين في جنيف ونيروبي.
الوظيفة: تمييع الصراع. مساواة “الجلاد” (الجيش وريث الدولة) بـ “الضحية” (الدعم السريع/الحركات) تحت شعار “الطرفان متساويان”. هذا الخطاب يشرعن عودة النظام القديم عبر بوابة “التسوية”.
الواجهة الثالثة: “الخبراء الدوليون” (غسيل السمعة الأكاديمي)
شبكة من الأكاديميين والباحثين (غربيين وسودانيين من النخبة النيلية) يسيطرون على مراكز الأبحاث العالمية.
الخطاب: “السودان دولة هشة لا تحتمل التغيير الجذري.. البديل هو الفوضى”.
الحل المقترح: (DDR) نزع سلاح الهامش، و(SSR) “إصلاح” الجيش القديم (بدلاً من تفكيكه).
الهدف: إعادة هندسة دولة 56 تحت إشراف أممي، لضمان استمرار مصالح الغرب والمركز.
الاندماج القاتل.. الفخ الكبير
هنا تلتقي الكارثة. عندما تجلس “الحركة المسلحة” (التي تحولت لشركة عائلية) للتفاوض مع “الأحزاب التقليدية” (الشركات العائلية القديمة) بوساطة “المجتمع المدني” (الواجهة الناعمة).. ماذا يحدث؟
يحدث “تفاهم اللصوص”.
القائد الثوري (الفاسد) يريد ضمان “مستقبله المالي” و”أمان أسرته”.
زعيم الحزب (الفاسد) يعرض عليه “محاصصة” (خذ وزارة، واترك لنا الدولة).
المثقف الفندقي يكتب “الاتفاق الإطاري” بلغة منمقة تشرعن الصفقة.
والنتيجة؟ يتم بيع “القضية”، ويتم خيانة “دماء الشهداء”، وتعود دولة 56 أقوى من الأول، لأنها نجحت في شراء خصومها بفتات مائدتها.
الخاتمة والمانيفستو: كيف نكسر الدائرة؟
مثلما نطالب بتفكيك وإعادة بناء جيش جديد خالي من “عقيدة البازنقر” (الارتزاق وحماية النظام)، يجب بالتوازي تفكيك بنية “البازنقر السياسي”. لا يمكن بناء جيش وطني مهني جديد بينما الأحزاب السياسية والواجهات المدنية هي مجرد “مليشيات مدنية” تابعة لعائلات أو طوائف. الإصلاح لا يتجزأ.
لكي ننتصر، يجب أن نعلن الحرب على الجبهتين معاً:
- التطهير الداخلي (قتل الفيروس):
على “تحالف تأسيس” وكل قوى الثورة الحقيقية أن تبدأ بنفسها:
مأسسة الحركات: لا مكان لـ “الشركات العائلية”. المال مال عام، والقرار مؤسسي.
الشفافية المالية: القائد الذي لا يكشف ذمته المالية هو “مشروع ديكتاتور”.
الاستثمار في الإنسان: شرعية القيادة تقاس بالمدارس والمستشفيات في المناطق المحررة، لا بالسيارات الفارهة.
- فلتر الواجهات (اختبار النوايا):
لا حوار ولا تحالف مع أي واجهة لا تجيب بـ “نعم” على الأسئلة الوجودية:
هل تقبل بـ تفكيك الجيش (لا دمجه)؟
هل تقبل بـ فيدرالية مالية كاملة؟
هل تقبل بـ علمانية الدولة؟
هل تقبل بـ محاسبة الفاسدين بأثر رجعي؟
شروط العضوية في “نادي السودان الجديد”
على تحالف تأسيس أن يبدأ فورا في وضع مسودة قوانين صارمة للأحزاب والحركات (لحين تأسيس الجيش الجديد)، (قانون الأحزاب الجديد)، تتضمن اللاءات الأربعة:
لا للتمويل المجهول: أي حزب أو حركة لا يكشف عن ميزانيته السنوية ومصادر تمويله بشفافية تامة (ويخضع للمراجعة القانونية) يُحظر من النشاط السياسي. (تجفيف منابع المال السياسي الفاسد).
لا للديكتاتورية الداخلية: أي حزب لا يعقد مؤتمراته العامة دورياً، ولا يحدد فترات رئاسية لقادته (دورتين كحد أقصى)، يفقد أهليته القانونية. (لا قادة للأبد).
لا للخلط بين “الدعوي/الأسري” و”السياسي”: فصل تام بين كيان الحزب وبين الكيان الديني (الطائفة/الجماعة) أو القبيلة. الحزب للمواطنين كافة، والمسجد/القبيلة للأفراد.
لا للسلاح في السياسة: الحل الفوري لكافة الأجنحة العسكرية للأحزاب والحركات بالتزامن مع حل جيش البازنقر، وتحولها الكامل للعمل المدني، أو دمجها في الجيش المهني الجديد وخروج قادتها من السياسة.
تحالف تأسيس أمام لحظة تاريخية فاصلة.
إن الرهان على إصلاح الأحزاب القديمة من الداخل، أو انتظار “توبة” الحركات المسلحة “المرتشية”، هو رهان خاسر. الحل يكمن في المضي قدما في تطوير “الكتلة التاريخية” من نخب تحالف السودان الجديد، تفرض هذه القواعد الجديدة بقوة الشارع والوعي. علينا أن نقول بوضوح: أنتم، بيمينكم ويساركم، بطائفيتكم ومسلحيكم، جزء من المشكلة لا جزء من الحل. الحل يبدأ بتبني تحالف تأسيس رؤية واضحة في تطوير أجسامها السياسية و المدنية لتواكب الحداثة، الشفافة، الديمقراطية، ممولة وطنياً، تحترم عقل المواطن وتخاطب طموحاته، لا غرائزه القبلية أو الدينية. يجب أن نقولها وبوضوح التحالفات لا يجب أن تُبنى على “أوزان قبلية” أو “تاريخ نضالي”، بل على رؤية برامجية ملزمة. والميثاق السياسي يجب أن يكون عقداً قانونياً ملزماً، يتضمن آليات محاسبة وسحب ثقة، وليس مجرد “إعلان نوايا” يُداس عليه عند أول منعطف.
بدون تغيير “قواعد اللعبة”، سنظل نغير اللاعبين فقط، وتبقى النتيجة واحدة: هزيمة الوطن.
الخلاصة:
دولة 56 لن تسقط إلا إذا أسقطنا “قيمها” في نفوسنا أولاً.
إذا حاربنا “الجلابة” ونحن نحمل “أخلاق الجلابة” “الدولة غنيمة” في جيوبنا، فنحن مجرد “موظفين جدد” نسعى للتوظيف في شركتهم القديمة. الثورة الحقيقية هي ثورة القيم والمؤسسات.. وإلا فأنتم تحفرون قبوركم وقبور شعوبكم بأيديكم.
في الحلقة القادمة: “خارطة الطريق: كيف نحول (الوعي) إلى (سلطة)؟.. آليات الانتقال من الثورة إلى الدولة.”



إرسال التعليق