آدم الحاج : شهادة تحليلية ميدانيةولاية سنّار: الإسلاميون، الحرب، وتمزيق النسيج الاجتماعي
يستند هذا النص إلى معايشة مباشرة، إذ أقام كاتبه في ولاية سنّار قرابة ثماني سنوات، واطّلع عن كثب على دينامياتها الاجتماعية وتحولاتها السياسية والإدارية.
تمهيد الشهادة
لم تكن ولاية سنّار، بحكم تاريخها وتكوينها الاجتماعي، بيئةً مولّدة للصراعات الإثنية أو العنف الجماعي. خلال سنوات الإقامة والمعايشة، شكّلت الولاية نموذجًا للتعايش اليومي بين مكوّنات قبلية متعددة، ارتبطت بعلاقات إنتاج زراعي، ومصاهرة، وتجاور اجتماعي طويل الأمد. غير أنّ هذا التوازن لم يكن معزولًا عن التحولات السياسية الكبرى التي شهدها السودان منذ عام 1989، والتي تركت آثارًا عميقة على بنية الحكم المحلي والعلاقات المجتمعية.
أولًا: من المعايشة إلى التحليل – أثر مشروع التمكين
من خلال المتابعة الميدانية، كان واضحًا أن سياسات الحركة الإسلامية في سنّار لم تقتصر على إدارة مدنية تقليدية، بل اتخذت طابعًا أيديولوجيًا قائمًا على:
إضعاف الإدارة الأهلية التاريخية وإفراغها من استقلالها.
إحلال الولاء الحزبي محل الكفاءة والمؤسسية.
تغذية الانقسام الاجتماعي بخطاب ديني إقصائي.
هذه السياسات، التي بدت في ظاهرها تنظيمية، أسست فعليًا لبيئة هشّة، جرى فيها تسييس الهويات الاجتماعية وتحويلها إلى أدوات اصطفاف وصراع.
ثانيًا: الحرب وتحول المجتمع إلى ساحة اشتباه
مع اندلاع الحرب بعد أبريل 2023، انتقلت سنّار من الهامش العسكري إلى دائرة الاستهداف المباشر. ووفق الشهادات المحلية، تحوّلت مناطق مثل سنجة وجبل موية والدندر إلى فضاءات خوف، لا بسبب العمليات العسكرية وحدها، بل نتيجة تعميم الاشتباه القبلي ووصم مجتمعات بأكملها بالانحياز لطرف من أطراف الصراع. مثّل هذا التحول قطيعة خطيرة مع نمط التعايش الذي عرفته الولاية لعقود.
ثالثًا: الكتائب الإسلامية – عنف منظّم خارج منطق الحرب
من أخطر ما وثّقته الشهادات الميدانية خلال هذه المرحلة عودة الكتائب الإسلامية المسلحة، سواء تحت مسمى “المقاومة الشعبية” أو عبر تشكيلات غير رسمية، عملت في محيط الجيش أو تحت غطائه.
وبحسب إفادات نازحين ومصادر محلية، ارتبط نشاط هذه الكتائب بأفعال عنف غير مألوفة في تاريخ النزاعات السودانية من حيث المنهج، حيث جرى استخدام العنف المفرط لإذلال المدنيين وكسر إرادتهم، واستهداف مجتمعات محلية لإحداث صدمة اجتماعية طويلة الأمد. وتشير طبيعة هذه الأفعال إلى انتقال من منطق “العمليات العسكرية” إلى سياسة ترهيب اجتماعي منظّم.
رابعًا: التكييف الحقوقي للانتهاكات
استنادًا إلى القانون الدولي الإنساني، فإن الأفعال المرتكبة في هذا السياق تمثل:
جرائم حرب لانتهاك مبدأ حماية المدنيين ومبدأ التمييز،
انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بسبب القتل خارج نطاق القانون والعقاب الجماعي.
كما أن توظيف الخطاب الديني لتبرير هذه الأفعال يعكس استمرار مشروع أيديولوجي يقوم على نزع الإنسانية عن “الآخر”، وتحويل الاختلاف الاجتماعي أو السياسي إلى مبرر للعنف.
خامسًا: المقاومة الشعبية – الغطاء الاجتماعي للعنف المؤدلج
إلى جانب الكتائب المسلحة، برز خلال هذه الحرب دور ما سُمّي بـ “المقاومة الشعبية”، وهي تشكيلات جرى إنشاؤها وتعبئتها بخطاب ديني–أيديولوجي من قبل الإسلاميين، وقدّمت بوصفها مبادرة مجتمعية للدفاع، بينما أدّت عمليًا دور الغطاء الاجتماعي والسياسي للعنف المسلح.
ومن خلال المعطيات الميدانية، لم تكن هذه المقاومة كيانًا مدنيًا مستقلًا، بل شكّلت امتدادًا غير رسمي للتنظيمات الإسلامية المسلحة، وأداة تعبئة وتحريض داخل الأحياء والقرى، ووسيطًا لتجنيد المدنيين وتسليحهم خارج أي إطار قانوني. وأسهم هذا الدور في توسيع دائرة الحرب ونقلها من نطاق الصراع العسكري إلى النسيج الاجتماعي، بما ينتهك مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
سادسًا: الخلايا الأمنية – القمع المنهجي تحت غطاء الدولة
إلى جانب الأدوار العسكرية والتعبوية، برز نشاط ما عُرف بـ “الخلايا الأمنية” في مناطق سيطرة الجيش الخاضعة فعليًا لنفوذ الحركة الإسلامية، حيث اضطلعت بدور أمني–استخباراتي موازٍ لمؤسسات الدولة، خارج أي إطار قانوني أو رقابة قضائية.
وبحسب إفادات متطابقة، مارست هذه الخلايا أنماطًا ممنهجة شملت:
التجسس على المواطنين وجمع المعلومات داخل الأحياء والقرى،
إعداد تقارير كيدية قائمة على الاشتباه السياسي أو القبلي،
تنفيذ اعتقالات تعسفية دون أوامر قانونية،
القيام بمداهمات منظمة للمنازل وأماكن العمل.
أسهمت هذه الممارسات في بث الخوف وضبط المجتمع عبر الترهيب، وأعادت إنتاج نموذج الدولة الأمنية، بما يقوّض الحقوق الأساسية ويُكرّس الإفلات من العقاب. ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، قد يرقى هذا السلوك إلى اضطهاد منظّم إذا ثبت طابعه الواسع أو الممنهج.
سابعًا: الأثر الاجتماعي طويل المدى
لا تتوقف آثار ما جرى عند الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى:
انهيار الثقة التاريخية بين المكوّنات المحلية،
تفكك القرى المختلطة إثنيًا،
نزوح قسري طويل الأمد يُنذر بتغيير ديمغرافي قسري،
ترسيخ ذاكرة عنف قابلة للتوارث بين الأجيال.
وهو نمط سبق اختباره في دارفور، ويُعاد إنتاجه اليوم في سنّار.
ثامنًا: الخلاصة والمسؤولية
هذه الشهادة ليست سردًا شخصيًا، بل قراءة ميدانية تحليلية لمسار انتهى بتطييف العنف وتسليح الهوية. إن تجاهل دور الحركة الإسلامية وكياناتها المسلحة والتعبوية والأمنية في هذا المسار يعني القبول بإعادة إنتاج الحرب مستقبلًا.
ولا سبيل لوقف هذا الانحدار دون:
اعتراف علني بالانتهاكات،
تحقيقات مستقلة وشفافة،
تجريم خطاب الاشتباه القبلي،
إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون.
خاتمة الشهادة
ما جرى في ولاية سنّار ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلة تفكيك الدولة السودانية عبر الأدلجة والعنف. إنصاف الضحايا يبدأ بالاعتراف، ويكتمل بالمحاسبة، ولا يتحقق السلام دون تفكيك البنية التي جعلت من العنف وسيلة حكم.



إرسال التعليق