عمار سعيد : حين يسقط قناع الحياد: الدور الإقليمي غير النزيه في إطالة حرب السودان
لم تعد الحرب في السودان شأناً داخلياً معقّداً فحسب، بل تحوّلت، بفعل التدخلات الإقليمية غير المتوازنة، إلى ساحة صراع مصالح تتقاطع فيها حسابات النفوذ، وتُستباح فيها دماء السودانيين تحت لافتات زائفة من “الوساطة” و“الحرص على الاستقرار”. وقد كشفت مواقف عدد من الدول العربية، لا سيما بعض تلك الدول المنخرطة في ما يُعرف بـ«الرباعية»، عن انحيازٍ واضح لم يعد قابلاً للتأويل أو التبرير الدبلوماسي.
شرعنة الأمر الواقع بدل إيقاف الحرب
بدلاً من الضغط الجاد لوقف القتال، انخرطت أطراف إقليمية في مساعٍ محمومة لشرعنة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، رغم الإدراك الكامل لطبيعة هذه السلطة ودورها المباشر في إشعال الحرب وتعطيل كل المبادرات الرامية إلى إنهائها. هذا السلوك لم يكن حيادياً ولا حتى انتهازياً بالمعنى التقليدي، بل كان محاولة استباقية لإخفاء حجم التورط السياسي والأمني والإعلامي في دعم طرفٍ بعينه، خشية انكشاف الأدوار الحقيقية أمام المجتمع الدولي بعد استعادة المدنيين السلطة في السودان
لقد تحوّل “الاعتراف” إلى أداة سياسية، لا لحماية الدولة السودانية أو شعبها، بل لتثبيت معادلة قسرية: بقاء القتلة الارهابين في السلطة مهما كان الثمن الإنساني، ولو أدّى ذلك إلى تفكيك المجتمع وإبادة قطاعات واسعة منه.
مصر: من الدعم الخفي إلى الرعاية العلنية
يبرز الدور المصري بوصفه المثال الأوضح على هذا الانحياز. فالقاهرة لم تكتفِ بالدعم العسكري والسياسي والإعلامي، بل مارست دور الراعي الإقليمي للنظام العسكري الاخواني الانقلابي في السودان، وسخّرت أدواتها الدبلوماسية والإعلامية لتسويق روايته في المحافل الدولية. العلاقة غير المتكافئة بين القيادتين، والتي تظهر بجلاء في كثافة الزيارات والاصطفاف السياسي، تعكس اختلالاً بنيوياً في مفهوم السيادة، وتُعيد إلى الأذهان أنماطاً تاريخية من الوصاية الإقليمية التي ظنّ السودانيون أنهم تجاوزوها.
هذا الدور لم يسهم في الاستقرار، بل عمّق الاستقطاب، ووفّر غطاءً سياسياً لمشعلي هذه الحرب وضمن لهم استمرارها ، وأضعف أي فرصة لمسار تفاوضي حقيقي يقوم على محاسبة المسؤولين عن الجرائم.
الرباعية المبتورة والحياد المفقود
أما الرباعية، التي كان يُفترض أن تكون منصة توازن وضغط متساوٍ، فقد فقدت أكثر من نصف رصيدها الأخلاقي والسياسي. فغياب الحياد، وتغليب حسابات التحالفات الإقليمية، جعلاها جزءاً من المشكلة لا من الحل. وفي هذا السياق، بدا الدور السعودي أقل تأثيراً مما كان مأمولاً، ليس بسبب نقص المعلومات أو غياب النفوذ، بل نتيجة الارتهان لمسارات إقليمية أخرى، والسماح بتمرير أجندات لا تخدم وقف الحرب ولا حماية المدنيين.
إن تقزيم الدور الذاتي، والقبول بلعب دور التابع، أفقد الوساطة وزنها، وأرسل رسالة سلبية للسودانيين مفادها أن دماءهم يمكن أن تُستخدم كورقة تفاوض في صراعات النفوذ.
عسكرة الإقليم وتدويل القتل
الأخطر من ذلك أن الحرب في السودان شهدت تراكماً غير مسبوق لأدوات القتل: مسيّرات، أسلحة محرّمة، تدريب وتمويل عابر للحدود، وتسهيلات لوجستية تمر عبر الموانئ وإنشاء وتشغيل مطارات سرية ، في مشهد يُجسّد عسكرة الإقليم على حساب الشعوب. هذا التداخل بين السلاح والسياسة جعل من السودان ساحة اختبار لتوازنات إقليمية، بينما يُترك المدنيون بلا حماية وبلا صوت.
خيارات الشعوب حين تُغلق الأبواب
أمام هذا الانسداد، لا يمكن مطالبة الشعوب السودانية بالصمت أو انتظار عدالة لن تأتي. حين تُغلق الأبواب الإقليمية، يصبح البحث عن تحالفات جديدة، وشركاء أكثر توازناً، خياراً مشروعاً لا نزوة سياسية. فالشعوب لا تُباد بصمت، ولا تُطالب بالحياد وهي تُستهدف بالطيران والسلاح المحرّم.
إن استمرار هذا النهج غير النزيه لن يمر بلا كلفة. فالتاريخ لا ينسى، والشعوب لا تغفر بسهولة لمن تواطأ على آلامها. وما يُزرع اليوم من انحياز وصلف سياسي، سيُحصد غداً عزلة وفقدان ثقة. لقد آن الأوان لمراجعة جادة، تعيد تعريف “الاستقرار” بوصفه سلاماً عادلاً، لا مجرد بقاء أنظمة على أنقاض الشعوب.



إرسال التعليق