آدم الحاج : سؤال عسكرة الوعي وسبل إشهار سلاح الوعي المدني بعد الحرب.بين عسكرة السياسة ومدنية العسكر
كيف يُصنع الانتقال المدني في مجتمع أُشبِع بالعنف؟
مقدّمة
لم تُدمّر الحرب السودانية البنية السياسية والمؤسساتية للدولة فحسب، بل أصابت ما هو أخطر من ذلك: وعي المجتمع نفسه. فمع طول أمد الصراع، وتراكم خطاب التعبئة، تحوّلت السياسة من ساحة مدنية للتنافس حول البرامج والرؤى، إلى مجال عسكري تحكمه القوة والغلبة، بينما جرى في المقابل عسكرة عقول المواطنين عبر تطبيع العنف، وتقديس السلاح، وتصويره بوصفه الحل الوحيد.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن انتقال سياسي مدني بعد الحرب، في مجتمع جرى تسليح وعيه، وتغذيته بالعنف والعنف المضاد، حتى بات كثيرون يشجّعون السلاح، ولو على حساب الدولة والمجتمع؟
أولًا: عسكرة السياسة… حين تُختطف الدولة
عسكرة السياسة في السودان ليست نتاج الحرب الراهنة فقط، بل هي مسار تاريخي طويل، جرى خلاله إخضاع المجال السياسي لمنطق القوة، وإقصاء المدنيين من صناعة القرار. وقد تجلّى ذلك في:
هيمنة المؤسسة العسكرية والأمنية على الحكم.
تهميش الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني.
تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية تُحسم بالسلاح لا بالحوار.
ومع اندلاع الحرب، بلغت عسكرة السياسة ذروتها، إذ لم تعد السلطة تُمارَس عبر مؤسسات، بل عبر فوهات البنادق، وتحوّل الوطن إلى ساحة صراع بين مشاريع عسكرية متنافسة، لا بين رؤى وطنية.
ثانيًا: مدنية العسكر… مفهوم ملتبس
في مقابل عسكرة السياسة، يطرح البعض مفهوم «مدنية العسكر» باعتباره حلًا توفيقيًا، لكنه مفهوم إشكالي إذا لم يُفهم بدقة. فمدنية العسكر لا تعني تلميع المؤسسة العسكرية أو إشراكها في السياسة بلباس مدني، بل تعني:
خضوع العسكر الكامل للسلطة المدنية المنتخبة.
حصر دور المؤسسة العسكرية في مهامها المهنية الدفاعية.
إخضاع الميزانيات والقرارات العسكرية للرقابة المدنية والبرلمانية.
من دون ذلك، تتحوّل «مدنية العسكر» إلى شعار فارغ، يُستخدم لإعادة إنتاج الهيمنة العسكرية بصيغة أقل صدامية.
ثالثًا: عسكرة الوعي… أخطر نتائج الحرب
أخطر ما خلّفته الحرب ليس الدمار المادي، بل عسكرة وعي المجتمع. فقد جرى:
تطبيع العنف بوصفه وسيلة مشروعة لتحقيق المطالب.
شيطنة العمل المدني والسياسي السلمي ووصمه بالضعف.
صناعة خطاب تعبوي يقسّم المجتمع إلى أعداء وحلفاء.
وفي ظل هذا المناخ، لم يعد السلاح مجرد أداة قتال، بل أصبح رمزًا للهيبة والنجاة والحق، وهو ما يشكّل تهديدًا وجوديًا لأي مشروع انتقال مدني.
رابعًا: الانتقال المدني بعد الحرب… معركة الوعي أولًا
إن أي حديث عن انتقال سياسي مدني بعد الحرب، من دون تفكيك عسكرة الوعي، سيكون حديثًا نظريًا معزولًا عن الواقع. فالانتقال الحقيقي لا يبدأ من القصور والمؤتمرات، بل من عقول الناس.
وهنا تبرز معركة الوعي بوصفها معركة لا تقل مشقة وخطورة عن معركة السلاح، وتتطلب:
استعادة الخطاب المدني القائم على الحقوق والمواطنة.
تفكيك خطاب الكراهية والعسكرة والتخوين.
إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها فعلًا سلميًا، لا امتدادًا للحرب.
تمكين الإعلام المستقل والتعليم والمبادرات الثقافية من لعب دورها التنويري.
خامسًا: كيف يُشهر المدنيون سلاح الوعي؟
سلاح المدنيين الحقيقي ليس الدبابة ولا البندقية، بل الوعي المنظّم. ويُشهَر هذا السلاح عبر:
بناء جبهة مدنية واسعة عابرة للأيديولوجيات.
إنتاج خطاب سياسي أخلاقي واضح يرفض العنف دون مواربة.
ربط العدالة الانتقالية بالسلام، لا بالانتقام.
الاستثمار في الأجيال الشابة بوصفها رافعة التغيير القادمة.
فالوعي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالصبر والتراكم، وهو وحده القادر على نزع الشرعية عن السلاح خارج الدولة.
خاتمة
إن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى تفكيك بنيتها الذهنية. فالعسكرة التي أصابت السياسة، وامتدت إلى عقول الناس، لا تُواجه بعسكر مضاد، بل بمشروع مدني شجاع، يدرك أن معركة الوعي أطول وأصعب، لكنها الوحيدة القادرة على صناعة سلام مستدام.
فالانتقال المدني الحقيقي لن يولد من رحم السلاح، بل من رحم الوعي، حين يستعيد المجتمع إيمانه بأن السياسة يمكن أن تكون فعلًا أخلاقيًا، وأن الدولة لا تُبنى بالقوة، بل بالرضا والعدالة والمواطنة.


إرسال التعليق