آدم الحاج : الدين والسلطة في العالم العربي(٢)
الدعاة بين رسالة الدين وأدوات السلطة
حين يتحوّل المنبر من هداية الناس إلى خدمة الحاكم
مقدّمة
ظلّ الدعاة ورجال الدين، عبر التاريخ، من أكثر الفاعلين تأثيرًا في تشكيل وعي المجتمعات، بحكم موقعهم الأخلاقي والرمزي، وقربهم من وجدان الناس. غير أنّ هذا الدور النبيل كثيرًا ما تعرّض للتشويه، حين انزلقت الدعوة من كونها رسالة تحرّر وتهذيب، إلى أداة توظيف سياسي تُستخدم لتبرير الاستبداد، وتكريس الظلم، وإضفاء الشرعية الدينية على الفشل والفساد.
في هذا المقال، نحاول تفكيك العلاقة الملتبسة بين الدعاة والسلطة، والتمييز بين الدين بوصفه قيمة أخلاقية سامية، وبين استخدامه كوسيلة للهيمنة السياسية وإخضاع المجتمع.
أولًا: رسالة الدعوة في أصلها الأخلاقي
جاء الدين، في جوهره، لتحرير الإنسان لا لتقييده، ولإقامة ميزان العدل لا لتكريس الطغيان. وقد تمثّلت الوظيفة التاريخية للدعاة في:
- تذكير الناس بالقيم العليا: العدل، والحرية، والكرامة الإنسانية.
- الوقوف إلى جانب الضعفاء والمظلومين.
- قول كلمة الحق في وجه الجور، لا تبريره أو تجميله.
ولم يكن الداعية الحقيقي يومًا جزءًا من جهاز السلطة، بل كان ضميرًا ناقدًا لها، يراقب أداءها أخلاقيًا، ويحاسبها معنويًا باسم القيم الدينية والإنسانية.
ثانيًا: كيف جرى تدجين المنبر؟
مع صعود الدولة السلطوية الحديثة، أدركت الأنظمة السياسية خطورة المنبر الديني المستقل، فسعت إلى احتوائه عبر:
- إخضاع المؤسسات الدينية، رسميًا أو ضمنيًا، لإرادة السلطة.
- مكافأة الدعاة الموالين بالامتيازات والمناصب والظهور الإعلامي.
- إقصاء الأصوات النقدية أو تشويهها بتهم «الفتنة» و«الخروج».
وهكذا، تحوّل بعض الدعاة من حملة رسالة أخلاقية إلى موظفين لدى السلطة، مهمتهم تهدئة الشارع، وتبرير السياسات الفاشلة، وتحويل الصراع السياسي إلى «قدر إلهي» لا يجوز الاعتراض عليه.
ثالثًا: خطاب التبرير الديني للاستبداد
في سياق هذا التحالف غير المعلن، نشأ خطاب ديني مشوَّه يقوم على:
- تقديس الحاكم تحت مسمّى «وليّ الأمر».
- تحريم أي معارضة سياسية بوصفها خروجًا أو فتنة.
- اختزال الدين في الطاعة والصبر، مع تغييب مفاهيم العدل والمحاسبة.
هذا الخطاب لا يحمي الدين، بل يفرغه من مضمونه الأخلاقي، ويحوّله إلى أداة قمع ناعمة، قد تكون أخطر من السلاح؛ لأنها تصادر وعي الناس باسم الله.
رابعًا: أثر تسييس الدعوة على المجتمع
لا تتوقّف نتائج هذا المسار عند حدود المنبر، بل تمتدّ إلى بنية المجتمع بأكمله، حيث تؤدي إلى:
- فقدان الثقة في الخطاب الديني والمؤسسات الدعوية.
- نشوء أجيال تنظر إلى الدين بوصفه أداة سلطة، لا قيمة تحرّر.
- فتح الباب أمام التطرّف أو العلمنة العدائية بوصفهما ردود فعل.
وهكذا، يدفع الدين ثمن أخطاء لم يرتكبها، بل ارتكبها من استخدموه لخدمة السلطان.
خامسًا: نحو استعادة استقلال المنبر
إن تحرير الدعوة من قبضة السلطة ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لإحياء دور الدين الإصلاحي. ويتطلّب ذلك:
- إعادة تعريف دور الداعية بوصفه شاهدًا أخلاقيًا، لا ناطقًا رسميًا باسم السلطة.
- الفصل الواضح بين الوظيفة الدينية والوظيفة السياسية.
- ترسيخ فقه المقاصد والعدل، لا فقه الطاعة العمياء.
- تشجيع الخطاب الديني النقدي المسؤول، لا التحريضي ولا التبريري.
فالداعية الحرّ لا يعادي الدولة، لكنه لا يقدّسها، ولا يساوم على القيم من أجل رضاها.
خاتمة
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الدين ليس الهجوم عليه من خصومه، بل اختطافه من قِبل السلطة. فحين يفقد الداعية استقلاله، يفقد الدين أحد أهم أسلحته الأخلاقية.
فالدعوة الحقّة لا تكون ظلًا للسلطان، بل نورًا يهدي المجتمع، ويذكّر الحاكم قبل المحكوم بأنّ العدل أساس الحكم، وأنّ الدين جاء ليحرّر الإنسان، لا ليُستخدم ضدّه


إرسال التعليق