عزيز الدودو : مليشيات بورسودان وصراع المصالح والإمتيازات - صوت الوحدة

عزيز الدودو : مليشيات بورسودان وصراع المصالح والإمتيازات

إذا استمر الجيش الكيزاني والمليشيات التابعة له، بما فيها الحركات المسلحة والكتائب الإرهابية مثل “البراء” وغيرها من المليشيات الإخوانية والقبلية، في خوض القتال من أجل الحفاظ على امتيازاتهم التاريخية والمكاسب المادية التي راكموها من رحم الحرب، فإن مصيرهم سيكون الهزيمة والتلاشي.

فالتحالفات القائمة على المصالح الضيقة وحدها لا تدوم طويلاً، خاصة عندما تُبنى على أنقاض وطن وتُغذى بدماء شعبه.

فالجيش الإخواني ، أو قل: قيادته العليا، لم يعد يقاتل دفاعًا عن سيادة الوطن أو أمن مواطنيه، بل تحول إلى أداة تحارب بشكل أساسي للحفاظ على امتيازات نخب اجتماعية وسياسية سيطرت على البلاد منذ عقود واستفادت من سلطة الدولة لبناء إمبراطوريات مالية ضخمة تحت حماية الجيش الإخواني.

لقد تحولت المؤسسة العسكرية، في قمتها، إلى غطاء ودرع لحماية شبكات المصالح والفساد.

أما الحركات المسلحة، فقد انغمست هي الأخرى في دوامة المصلحة المادية، فتقاتل اليوم بشكل رئيسي للحفاظ على السلطة والنفوذ الإداري الذي حصلت عليه بموجب اتفاقيات سياسية مثل اتفاقية جوبا للسلام، ولحماية الأموال الطائلة التي جمعتها قبل الحرب وأثناءها، مقابل تحالفها المؤقت أو صراعها المتقلب مع الجيش.

لقد تحولت الكثير من هذه الحركات، للأسف، إلى مشاريع اقتصادية شخصية لقادتها.

الأمثلة على هذا النهب المنظم لا تُحصى، فهي تُكشف يوميًا.

مني أركو مناوي على سبيل المثال بنى إمبراطوريات مالية يديرها أقرباؤه في دبي والقاهرة. وآخرون مثل فكي جبريل نقلوا ثرواتهم المقدرة بمئات الملايين من الدولارات إلى وجهات كسلطنة عمان والدوحة ، ليتم إدارتها بعيدًا عن أعين المحاسبين. وعلى الجانب الآخر، برع قادة الجيش في مؤسسات الدولة، مثل البرهان والكباشي وياسر العطا وإبراهيم جابر والفريق مفضل، في تسخير مناصبهم لخدمة شبكات الفساد، خاصة عبر شركات الذهب والإقطاعيات الاقتصادية التي يديرها أفراد عائلاتهم.

ولم تكن قيادات الحركة الإسلامية بعيدة عن هذه الدائرة، فلقد استفادت أيما استفادة من حالة الفراغ السلطوي وانعدام الرقابة بعد انقلابها على الشرعية في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م.، وباتت تتحرك داخل دواليب الدولة بلا رقيب ولا حسيب، مشاركة في الوليمة ذاتها.

هكذا، تحول السودان تحت حكم هذه التحالفات المتغيرة إلى ما يشبه “الشركة الخاصة”، حيث تعمل نخبه الحاكمة – عسكريين ومدنيين، قادة حرب وسياسيين – على نهب ثروات البلاد بشكل منظم وممنهج، تحت حماية مؤسسات يفترض أنها للدولة، لكنها في الحقيقة أضحت أداةً للهيمنة والاستغلال.

لكن التاريخ يعلمنا أن تحالفات المال والدمار، التي تقدم المصالح الخاصةعلى بقاء الوطن، تكون دائمًا على حافة الهاوية. إن تناقضاتها الداخلية هائلة، وشرعيتها معدومة، وقاعدتها الشعبية منعدمة.

إنها تزرع بذور سقوطها بنفسها، فهي تدمر النسيج الاجتماعي وتقوض أي إمكانية لقيام دولة مستقرة.

وعندما تتحول المؤسسات إلى غنائم، ويصبح الولاء للأفراد لا للوطن، فإن الانهيار يصير مسألة وقت فقط.

إن طريق الخلاص الحقيقي يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة المرة؛ أن المعركة في السودان، في جوهرها، هي معركة شعب يريد أن يحرر دولته ومقدراته من براثن تحالف فاسد جمع النخب العسكرية والسياسية وتجار الحرب، تحالف صنعته الحرب ويعيش على استمرارها.

إنهاء هذا الكابوس يتطلب فضح هذه الشبكات وقطع الطريق عليها، وإعادة بناء دولة المواطنة والمؤسسات التي تخدم الجميع، لا أن تكون غنيمة تستحوذ عليها قلة قليلة من الفاسدين عديمي الشرف والضمير.

إرسال التعليق

لقد فاتك