مجدي محمد : جيش “البازنقر” ونفاق النخبة: حراس المعبد العنصري
عن تحالف “اليسار واليمين” ضد الهامش.. ولماذا يموت “الغرابي” ليحيا “الجلابي”؟
في التاريخ السوداني المظلم للقرن التاسع عشر، كان تجار الرقيق (مثل الزبير باشا) لا يصطادون الضحايا بأنفسهم دائماً. كانوا يستخدمون جيشاً من العبيد المسلحين، تم تدريبهم وغسل أدمغتهم ليقتلوا أهلهم ويجلبوا الغنائم لسادة المركز. كان اسم هؤلاء الجنود “البازنقر”.
اليوم، ونحن في القرن الحادي والعشرين، لم يتغير شيء سوى “الزي الرسمي”.
الجيش السوداني ليس “جيشاً وطنياً” كما يروج إعلام الخرطوم. إنه، وبكل المقاييس العلمية، أكبر جيش “بازنقر” في العالم.
مؤسسة عسكرية عقيدتها ليست “حماية الحدود”، بل “حماية الامتياز”.
وفي الخلف، تقف نخبة سياسية (من أقصى اليمين الإسلامي إلى أقصى اليسار التقدمي)، تختلف في كل شيء، لكنها تتفق على شيء واحد مقدس: بقاء مفاتيح السلطة داخل “المثلث النيلي”.
في هذا المقال، نزيح الستار عن “التحالف المحرم” بين العرق والبندقية.
أولاً: كذبة “جيش واحد شعب واحد”
دعونا ننظر إلى “الهيكل العظمي” للجيش السوداني، لا إلى الرتب والنياشين:
- الرأس (القيادة): محتكر تاريخياً لنخبة الشمال والوسط النيلي (الشايقية، الجعليين، الدناقلة). منذ 1956، لم يحدث أن كان القائد العام للجيش ورئيس الأركان ومدير الاستخبارات من خارج هذا النادي إلا كاستثناءات نادرة لتجميل الصورة.
- الجسد (المشاة والوقود): هم أبناء الهامش (جبال النوبة، دارفور، النيل الأزرق). هم من يموتون في المتحركات، وهم من يحفرون الخنادق.
المعادلة العسكرية للأبارتهايد بسيطة: “ابن الهامش يقتل ابن الهامش، لكي ينام ابن المركز آمناً في كافوري”.
هذا الجيش لم يطلق رصاصة واحدة ضد عدو خارجي (حلايب محتلة، الفشقة كانت محتلة)، لكنه قتل 3 ملايين سوداني في الجنوب ودارفور. إنه “شركة أمنية خاصة” وظيفتها قمع الأغلبية لخدمة الأقلية.
ثانياً: اليسار واليمين.. “طائفتان” في دين المركز
لعل الصدمة الأكبر في هذه الحرب لم تكن في “الكيزان” (الإسلاميين)، فهؤلاء هم من هندسوا الإبادة ونعرفهم جيداً.
الصدمة كانت في “نخبة التقدم واليسار”.
تلك النخبة التي صدعت رؤوسنا لسنوات بشعارات “العدالة”، “الهامش”، و”محاربة العنصرية”.
بمجرد أن اندلعت حرب 15 أبريل، ووصل “التهديد” إلى أبواب الخرطوم، سقطت الأقنعة:
رأينا مثقفين يساريين وليبراليين يصطفون خلف الجيش (الذي قتل ثوار ديسمبر في القيادة العامة!) بحجة “الحفاظ على الدولة”.
عن أي دولة يتحدثون؟ إنهم يقصدون “دولة امتيازاتهم”.
خوفهم من “الدعم السريع” ليس لأنه ميليشيا مجرمة كما يروجون، فالجيش أيضاً ميليشيا مجرمة. خوفهم الحقيقي هو خوف “عرقي/طبقي”. هم يخافون من “البدو”، من “المهمشين”، من “الغبش” القادمين من الصحراء ليهتكوا أسوار “المدينة المتحضرة”.
لقد أثبتت الحرب أن “الجلابي الشيوعي” و”الجلابي الكوز” هما أبناء عمومة في نهاية المطاف. يختلفون على “من يحكم”، لكنهم يتفقون على “من يجب أن يُحكم”.
ثالثاً: صناعة المليشيات.. من الجنوب إلى الغرب
الجنجويد لم تهبط من السماء. إنها “الابن الشرعي” لهذا النظام.
نخبة المركز هي من صنعت “موسى هلال”. هم من سلحوا القبائل العربية في دارفور ليضربوا بها القبائل الأفريقية (سياسة ضرب العبد بالعبد).
كانوا يصفقون لموسى هلال حينما كان يقتل أهل دارفور “نيابة عنهم”. كانوا يسمونه “الشيخ”.
ولم يكن الجنجويد هم أول مليشيا يصنعها “البازنقر”. صنعوا من قبلها عشرات المليشيات من العرب ومن “الزرقة”؛ في جنوب السودان السابق وحده صنع الجيش أكثر من 10 مليشيات جنوبية لمواجهة تمدد الحركة الشعبية.
وعندما أسسوا الدعم السريع قالوا للعالم إنها قوات سودانية رسمية، وأن قائدها هو حامي خدور نساء السودان.
ثم ماذا حدث؟
عندما رفض القائد مقاتلة الحركات المسلحة وأصر على تحقيق السلام بعد ثورة ديسمبر، وقال قولته الشهيرة التي واجه بها جيش البازنقر ونخب اليمين واليسار:
“لو انتوا ما دايرين سلام مع الحركات المسلحة، وما دايرين اتفاقية سلام جوبا، خلاص تمام. بس لازم تعرفوا بأن هذه الحركات لديها عدة آلاف من السيارات المسلحة في ليبيا وحا يجوكم داخلين بالدبة، اطلعوا لاقوهم، نحن تاني ما حا نحارب.”
عندها جن جنونهم.
خلال مفاوضات سلام جوبا، كان نخب المركز يتآمرون ضد الدعم السريع وحاولوا استمالة “الحلو” والحركة الشعبية بخطاب فطير: “الانتقام من العرب الذين قتلوكم”.
متى أصبح حميدتي “متمردًا” و”إرهابياً”؟
ليس حينما قاتل لمصلحة المركز، بل حينما تجرأ وطالب بتغيير جذري في الحكم، و تغيير كرسي “المدير العام” في الخرطوم.
جريمة حميدتي في نظر المركز ليست “جرائم الحرب”، بل جريمة “تجاوز المقامات”. كيف لبدوي من الرزيقات أن يحكم أحفاد العباس؟
رابعاً: تحالف الدم.. (العرق – الجهة – السلطة)
ما يجري الآن ليس حرب كرامة، ولا حرب ديمقراطية.
إنها محاولة يائسة من “الكارتيل النيلي” لإعادة المارد إلى القمقم.
- الجيش: يقاتل لاستعادة احتكاره للسلطة والاقتصاد.
- الكيزان: يقاتلون للعودة إلى الحكم تحت غطاء الجيش.
- النخب المدنية (المتواطئة): تقف مع الجيش لأنها تعتقد أنه “جيشهم” الذي سيضمن بقاء الدولة القديمة التي يعرفون كيف يعيشون في دهاليزها، ويتمتعون بخيراتها وامتيازاتها.
الخاتمة: إنقاذ البازنقر من نفسه
جنود الجيش السوداني من أبناء النوبة ودارفور والنيل الأزرق.. الذين يدفعون بدمائهم ثمن قصور الجنرالات..
كيف لهم أن تستيقظوا؟
أنهم يقاتلون لحماية نظام يحتقرهم. نظام إذا انتصر، سيعيدهم إلى “الكركون” وإلى “هامش المدن” ولن يسمح لهم بدخول نادي الضباط إلا كـ “مراسلات”.
المعركة الحقيقية هي كيف يمكن إنقاذ “بازنقر” القرن الواحد والعشرين من نفسه.
هذه المعركة هي معركة كل سوداني حر يرفض الظلم والاستعباد.
معركتنا الحقيقية هي إسقاط هذا “الصنم” الذي يعبدونه، وبناء جيش وطني حقيقي، جديد “لنج”. جيش يشبه جميع السودانيين، ويحترمهم، ويكونون قادته لا وقوده.
في المقال القادم:
الأخوية السرية: تحالف “الدم والبزنس” العابر للأيديولوجيا
من مجذوب الخليفة وعلي عثمان وعلي كرتي وسناء حمد.. إلى “إبراهيم السيخ” و”جمال الوالي” و”العقاد” و آل البرير و آل الدقير و آل المهدي و آل النفيدي!
كيف تدار الدولة كغنيمة عائلية بين اليمين واليسار؟



إرسال التعليق