المودودي الدود : لماذا يدعمون بورتسودان؟
في عالم اليوم لم تعد أي قوة مهما بلغت شعبيتها أو امتدادها قادرة على العيش خارج شبكة التحالفات. فالسياسة الدولية لم تعد تُدار بمنطق الحق وحده بل بمنطق المصالح المتبادلة وتوازنات القوة والفرص التي تفتحها اللحظات الإقليمية والدولية. وفي بيئة تتسم بتراجع القدرة التقليدية للدول الكبرى على فرض السيطرة وباتساع مساحة التنافس بينها، تنشأ دائمًا هوامش مناورة يمكن للقوى المحلية أن تستثمرها لصالح مشروعها السياسي.
من هذا المنطلق يبدو دعم دول مثل مصر والسعودية وإيران وتركيا لحكومة بورتسودان أمرًا مفهومًا حتى إن كان صادمًا أخلاقيًا للبعض لأنه نابع من مصالح اقتصادية وأمنية وعسكرية في الإقليم لا من تقييمها لطبيعة السلطة أو سجلها الحقوقي. هذه الدول كغيرها تتعامل مع السلطة القائمة باعتبارها بوابة للنفوذ وممرًا للموارد ونقطة ارتكاز في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي حسابات كهذه غالبًا ما تُؤجل الاعتبارات الأخلاقية أو تُستخدم كخطاب تجميلي لا كمعيار حاكم للقرار.
لكن الوجه الآخر لهذه الحقيقة هو الأكثر أهمية إذا كانت مصالح تلك الدول تتلاقى مع بورتسودان فذلك يعني بالضرورة وجود دول ومنظمات إقليمية أخرى تتقاطع مصالحها مع مصالحها أو تتعارض معها أو تبحث عن نفوذ بديل في المنطقة. وهذه مساحة يمكن للقوى التحررية أن تتحرك داخلها بذكاء عبر فتح قنوات اتصال وتحالفات مدروسة دون الوقوع في نموذج شراء الدعم الذي تلجأ إليه الجماعات العنصرية في شمال السودان حين تُحوّل السيادة إلى سلعة عبر مقايضات مكشوفة مثل الأرض مقابل الحماية أو الموارد مقابل الاعتراف.
الميزة التي تمتلكها القوى الساعية للتحرر والتحول الديمقراطي أنها تستطيع تقديم قيمة سياسية لا تقل أثرًا عن المقابل المادي مشروع واضح لتفكيك نظام الفصل العنصري وبناء دولة مواطنة وإنهاء الاستغلال المنظم للهوامش وقطع الطريق أمام محاولات الهيمنة الإقليمية أو تحويل السودان إلى ساحة نفوذ دائم لقوى ذات طموح توسعي. هذا النوع من الخطاب عندما يكون منضبطًا ومسنودًا بخطة واقعية قد يجذب أطرافًا ترى في الاستقرار العادل والديمقراطي مصلحة طويلة الأمد لا مجرد مكسب سريع.
غير أن التحالفات الخلّاقة لا تُصنع بالشعارات وحدها. فهي تحتاج إلى استعداد لدفع تكلفة سياسية داخلية تضحيات وانضباط تنظيمي وإعادة توجيه الطاقة الشعبية نحو أهداف قابلة للتحقق بدل تبديدها في الصراعات البينية أو معارك الرمزية. إن تحالف تأسيس كان خطوة أولى مهمة لكنه بعد ما يقارب عامًا ومع تسارع التحولات لم يعد كافيًا إذا بقي أسير مرحلة تشكيل حكومة في المناطق المحررة دون الانتقال إلى المرحلة التالية بناء شبكة تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية تمنح المشروع التحرري سندًا خارجيًا وتحميه من العزلة وتضاعف قدرته على الصمود والمبادرة.
الانتقال لهذه المرحلة يتطلب أيضًا مراجعة صريحة للأخطاء التي تراكمت خلال السنوات الماضية ارتباك الرسائل ضعف الانضباط الإعلامي قصور الرؤية الدبلوماسية أو تقديم خطاب لا يخاطب المصالح كما يخاطب المبادئ. العالم قد يتعاطف مع عدالة قضيتك لكنه لن يتحرك إلا عندما يفهم كيف تتقاطع عدالتك مع مصالحه أو مع استقرار الإقليم. وهذا لا يعني التخلي عن الأخلاق بل يعني تقديمها في قالب سياسي قابل للتداول: برنامج واضح ضمانات شركاء معروفون وأولويات محددة.
لذلك فإن الوقت قد حان (لثورة داخلية) حقيقية داخل بنية القوى التحررية نفسها ثورة في التنظيم وفي الخطاب وفي أدوات الاتصال وفي فهم ميزان القوى الإقليمي. فكما أن المعركة على الأرض لا تُدار بالعاطفة وحدها كذلك المعركة على الشرعية والدعم والتحالفات لا تُدار بردود الفعل أو التمنيات. إن صناعة تحالفات ذكية غير قائمة على الابتزاز أو المقايضة بالسيادة هي جزء أصيل من معركة التحرر لا ترفًا سياسيًا.
خلاصة الأمر في لحظة إقليمية مضطربة تزداد فيها فرص إعادة تشكيل الاصطفافات فإن امتلاك مشروع تحرري واضح وخطاب سياسي منضبط واستعداد لتضحيات محسوبة هو ما يحوّل القوى الشعبية من مجرد (قضية عادلة) إلى (فاعل سياسي) قادر على كسب حلفاء وتفكيك نظام الفصل العنصري وصد محاولات تحويل السودان إلى غنيمة نفوذ لدول توسعية. الطريق ليس سهلاً لكنه الطريق الوحيد لإعادة وضع الثورة في مسارها الصحيح.



إرسال التعليق