​عزيز الدودو : حرب تيغراي والصراع المصري الإثيوبي - صوت الوحدة

​عزيز الدودو : حرب تيغراي والصراع المصري الإثيوبي

ما يحدث في إقليم تيغراي هو محاولة لزعزعة استقرار إثيوبيا من قبل النظام المصري بقيادة السيسي، بالتعاون مع حليفه البرهان في السودان. وقد تم التمهيد لهذه الخطوة باتهامات موجّهة لإثيوبيا بإنشاء معسكرات تجنيد على الحدود السودانية، وتسهيل انتقال مقاتلين لدعم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية في محور النيل الأزرق.

فمصر، في ظلّ هذا التوجّه، لن تهدأ لها بال حتى يسقط النظام الحاكم في إثيوبيا، وتُفشَل المشاريع التنموية الطموحة التي يقودها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. وعلى رأس هذه المشاريع يأتي سدّ النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تم إنجازه بعد تحديات وعقبات جسيمة، كانت مصر أكثر الدول عداءً لها. لكن آبي أحمد استطاع التغلب عليها وأنجز مشروعه الوطني. والآن تتجه إثيوبيا لامتلاك منفذ بحري على البحر الأحمر، وهو ما يتعارض أيضاً مع النفوذ المصري في المنطقة، باعتبار إثيوبيا الدولة الأكثر نَدِّيَّةً والقادرة على تشكيل تحدٍّ للإطماع المصرية في القرن الأفريقي.

للصراع الإثيوبي المصري جذور تاريخية عميقة، حيث شهد الماضي محاولتين مصريتين – نقصد هنا الدولة المصرية في حقبتها الاستعمارية التوسعية – لغزو إثيوبيا: الأولى بقيادة الفرنسيين، والثانية بقيادة محمد علي باشا بدعم إنجليزي. وقد باءت كلتا المحاولتين بالفشل الذريع، بعد أن تكبّدت الجيوش الاستعمارية خسائر فادحة وهزائم مُذلَّة على أرض المعركة.

والآن، يحاول السيسي إحياء هذا النهج عبر دعم جبهة تحرير تيغراي، بإدخال الدعم عبر السودان، حيث تقوم أجهزة الاستخبارات السودانية بإمداد المقاتلين عبر منطقة الحمرا الواقعة غرب تيغراي على الحدود السودانية الإثيوبية الإريترية. وهذه ليست المرة الأولى؛ فقبل نحو عامين قدّمت مصر دعماً مماثلاً. ولكن في تلك الفترة، تمكّن الجيش الفيدرالي الإثيوبي من إلحاق خسائر كبيرة بمقاتلي الجبهة، بفضل تقنيات عسكرية متطورة، مما أدى في النهاية إلى التفاوض في بريتوريا وتسليم سلاح المتمردين. والمرّة الحالية أيضاً تملك إثيوبيا القدرة على حسم التمرد، إما بإجبارهم على الالتزام باتفاق السلام السابق، أو بحسم الموقف عسكرياً.

لقد أنجزت إثيوبيا حلم سد النهضة، وهي الآن تتقدم بثبات نحو تحقيق حلمها الاستراتيجي بالحصول على منفذ بحري. ويُتاح أمامها خياران: الأول هو ميناء بربرة في أرض الصومال، الذي حظي باعتراف دولي مؤخراً ويفتح الباب لتأجير مساحة بحرية، والثاني هو ميناء عصب في إقليم عفر الإريتري. وهذا حقّ مشروع لإثيوبيا، باعتبارها الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المنطقة، وتمتلك حقاً تاريخياً في ميناء عصب قبل انفصال إريتريا عام 1991.

أما من الناحية الأمنية، فإن وضع إثيوبيا أفضل من ذي قبل، بفضل اتفاقية التعاون العسكري مع المملكة المغربية، فضلاً عن الدعم السياسي الذي تتلقاه من أغلب الدول الأفريقية. هذه الدول تدرك جيداً أن انهيار الأوضاع الأمنية في إثيوبيا، أو تقاسمها، هو سيناريو كارثي ترفضه القارة بأسرها، مما يُشكّل حائط صدٍّ إضافياً في وجه أي محاولات لزعزعة هذا البلد المحوري.

إرسال التعليق

لقد فاتك