آدم موسى : «الدولة العميقة… حين تتحول الأزمات إلى مورد رزق»
ليست مشكلة السودان في غياب الموارد، ولا في فقر الأرض، ولا حتى في ضعف العقول.
المشكلة الحقيقية تكمن في تلك الشبكة الخفية التي اعتادت أن تعيش على خراب الدولة، وتقتات من تعب الناس، وتعيد إنتاج الأزمات كلما لاحت فرصة للانفراج.
ما يُعرف بـ الدولة العميقة ليس شعارًا إعلاميًا ولا شماعة سياسية، بل منظومة متكاملة تمسك بمفاصل الاقتصاد عبر شركات أمنية، وواجهات تجارية، وسماسرة ظل يتحكمون في الذهب، والوقود، والدقيق، وحتى في شريان الحياة اليومي للمواطن البسيط. هذه المنظومة لا تخشى سقوط الحكومات، لأنها ببساطة لا تعترف بالدولة أصلًا.
تزدهر في الفوضى وتخسر في الاستقرار؛ لذلك كان أي حديث عن حكم مدني حقيقي، أو شفافية، أو مؤسسات مستقلة، بمثابة إعلان حرب عليها. كل أزمة معيشية تمر على الناس تمر عليهم كفرصة استثمار: شح الوقود ربح، انعدام الدقيق ربح، ارتفاع الدولار ربح.
حتى الحرب نفسها تحولت عندهم إلى صفقة مفتوحة بلا سقف أخلاقي.
والأخطر من ذلك أن هذه الدولة العميقة لا تعمل وحدها، بل تحتمي بخطاب وطني زائف، وتلوّح بفزّاعة الأمن، وتشيطن أي صوت يطالب بتفكيكها، وكأن بقاءها هو الضمانة الوحيدة لبقاء السودان. لكن الحقيقة أبسط وأقسى:
لا دولة تُبنى وشركات السلاح تدير اقتصادها،
ولا سلام يُصنع والعقول نفسها تعيش على منطق الغنيمة،
ولا انتقال ديمقراطي ينجح ما لم تُكسر الحلقة التي تجعل الأزمات قدرًا دائمًا.
لذلك يجب مواجهة هذه المنظومة، وتجفيف منابعها، واستعادة فكرة الدولة من بين أنياب السوق الأسود.
أما غير ذلك، فسيظل المواطن يدفع الفاتورة، وتظل الدولة العميقة هي الرابح الوحيد.



إرسال التعليق