احمد موسى : اجتياح خشم الوادي: من هزيمة الميدان إلى جرائم الانتقام ضد المدنيين
لم تكن قرى خشم الوادي — دبيكر، الاضية، البشمة، أم قليب، وغيرها من بوادي ودوامر الحوازمة، مسرحًا لاشتباكات عسكرية، ولا مناطق مواجهة بين أطراف النزاع، بل كانت مجتمعات مدنية آمنة تعيش على الرعي والزراعة ومصادر كسب تقليدية، بعيدة عن خطوط النار. ومع ذلك، تحولت هذه القرى إلى هدف مباشر لاجتياح دموي نفذته كتائب البرهان وحلفاؤهم من الإسلاميين، مدعومين بحركات الارتزاق الدارفورية التي يقودها مناوي وجبريل، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها إقليم كردفان خلال هذه الحرب.
دخلت هذه القوات القرى متسللة وفي حالة انكسار واضح، عقب الهزيمة الساحقة التي ألحقتها بها قوات «تأسيس» في هبيلا وعلوبة. فبدلًا من مراجعة فشلها العسكري، لجأت إلى أسهل الخيارات وأكثرها دناءة: تفريغ هزيمتها في أجساد المدنيين العزّل. والنتيجة كانت مقتل ما يقارب مئتي مواطن بريء، لا ذنب لهم سوى أنهم ينتمون إلى هذه الجغرافيا، ولا علاقة لهم بالنزاع، ولا يشكلون طرفًا فيه بأي صورة من الصور.
لم يتوقف الأمر عند القتل، بل أعقبه نهب منظم للبيوت، وسلب للمواشي، وتدمير لمصادر الرزق، في سلوك يعكس عقلية ميليشياوية لا ترى في القرى سوى غنائم حرب. والأكثر فداحة أن هذه القوات وثّقت جرائمها بنفسها، ونشرتها باعتبارها «إنجازًا»، في وهم مريض يخلط بين الانتصار العسكري وامتهان كرامة المدنيين، ويكشف حجم الانحدار الأخلاقي الذي بلغته.
وتتأكد الطبيعة الانتقامية لهذه الجرائم حين نضع توقيتها في سياقه السياسي؛ إذ جاءت مباشرة بعد مقتل معتمد تالودي الهالك ديدان، أحد أبرز رموز القمع في جنوب كردفان، والذي ارتبط اسمه في ذاكرة الإقليم بالبطش والتنكيل وإذلال المواطنين، وبسياسات أضرت بالبيئة ومصادر عيش الناس، واستخدام السلطة كأداة للإرهاب اليومي. لم يكن مقتل هذا الرجل نهاية لمرحلة مظلمة فحسب، بل شكّل لدى حلفائه الإسلاميين دافعًا للانتقام الأعمى، فاختاروا القرى الآمنة لتصفية حساباتهم السياسية والنفسية.
هذا السلوك لا يمكن اعتباره رد فعل عفويًا أو تجاوزًا ميدانيًا، بل هو امتداد مباشر لخطاب رسمي معلن. فقد صرّح ياسر العطا، في العام الأول للحرب، بأنهم سيحاربون «مكونات بعينها» في أرزاقها ومصادر معيشتها. وما حدث في خشم الوادي هو التطبيق العملي لهذا التصريح: تجويع ممنهج، تدمير للبيئة الاجتماعية، وكسر لإرادة المجتمعات عبر استهداف حياتها اليومية، لا عبر مواجهة عسكرية شريفة.
إن أخطر ما في هذه الجرائم أنها تكشف طبيعة الحرب التي يخوضها جيش البرهان وحلفاؤه؛ فهي لم تعد حربًا بين قوتين عسكريتين، بل تحولت إلى حرب على المجتمع نفسه، تُستخدم فيها الدولة وسلاحها ضد المواطنين، وتُختزل الوطنية في الولاء الأيديولوجي، ويُعامل من يخرج عن هذا الإطار كعدو يجب سحقه في رزقه وأمنه ووجوده.
والمفارقة الفاضحة أن هذه القوات تتحدث باسم الدولة، بينما تمارس سلوكًا لا يختلف عن سلوك المليشيات المنفلتة. فالدولة لا تُبنى بحرق القرى، ولا تُحمى بقتل الأبرياء، ولا تُستعاد شرعيتها عبر تصوير الجرائم ونشرها على المنصات. إن جيشًا يسمح لنفسه، أو لحلفائه الإسلاميين، بتحويل الهزيمة العسكرية إلى مجازر ضد المدنيين، لا يستحق الاحترام ولا يمكن اعتباره جيشًا وطنيًا بأي معيار مهني أو أخلاقي أنها مليشيا تركها المستعمر الإنجليزي المصري.
ما جرى في خشم الوادي ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تستهدف مجتمعات بعينها، وتؤكد أن هذه الحرب تُدار بعقلية انتقامية إقصائية، لا بعقلية جيش دولة مسؤولة. وهي جرائم لن تسقط بالتقادم، وستظل وصمة عار في سجل من خططوا ونفذوا وحرّضوا وباركوا.



إرسال التعليق