مجدي محمد : الدولة العميقة في السودان – تشريح الغولمن الديوان إلى الممرات – حين يأتي الخَصْي قبل الوزير
عركة البتر الأخير – قِزلر آغاسي
تاريخياً، “قِزلر آغاسي” هو “آغا السعادة” أو رئيس الخِصْيان في القصر العثماني. كان يتمتع بنفوذ هائل، فهو المسؤول عن الحرم السلطاني، هو الوحيد الذي يهمس في أذن السلطان، وهو همزة الوصل بين السلطان والعالم الخارجي.
مدخل أول:
هل تذكرون (ماما عشة) الدكتورة عائشة موسى السعيد، عضو المجلس السيادي الإنتقالي لحكومة الثورة؟ نعم هي قدمت استقالتها لذات السبب، هناك من يتحكم من خلف الستار!
تبدأ القصة دائماً بـ “غياب المؤسسية”.
المؤسسة ليست مبنى، بل هي “عملية” Process؛ هي أن يخرج القرار من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) عبر مسار مرسوم سلفاً، ومسجل، وقابل للمراجعة. في الدولة الموازية، يتم تفريغ هذا المسار. الوزير يجلس في مكتبه، لكن القرار المالي يأتي من “مستشار” في القصر لا صفة له سوى القرب من أذن الرئيس، قِزلر آغاسي”ساكت”!.
قائد الجيش يجلس في القيادة العامة، لكن التحرك الميداني تقرره مليشيا عقائدية تأخذ أوامرها من “غرفة عمليات” غير رسمية.
لقد جاء محمد علي باشا إلى السودان بنمط الحكم العثماني. إدارة الدولة من خارج المؤسسات، عبر وسطاء بلا شرعية دستورية، لكن لهم وصول مباشر لمركز القرار. الإنجليز قالوا: “سنبني إدارة عصرية”. شيدوا بيروقراطية استعمارية تبدو منظمة من الخارج، لكن من الداخل استمرت نفس اللعبة. وسطاء بلا شرعية يتحكمون في الموارد، في الأمن، في المعلومات؛ والقرارات الحقيقية تُصنع في مكاتب خاصة وليس في الديوان الرسمي.!
حين جاء الاستقلال، ورثت النخبة السودانية ذلك النمط واستمر تطبيقه ب “ضبانتو”
هكذا بدأت دولة 56 كدولة عميقة منذ البداية، لا كانحراف لاحق.
مصطلح “الدولة العميقة” ليس نظرية مؤامرة، بل هي تزاوج غير شرعي بين “نخب المركز” (دولة 1956) وبين “التنظيم العقائدي” (الإخوان المسلمين) بعد انقلاب 1989. قام نظام الإنقاذ بتطبيق سياسة “التمكين” ببراعة شيطانية. لم يكتفوا بتغيير الوزراء، بل قاموا بـ “تجريف” الخدمة المدنية، الجيش، الشرطة، والقضاء، واستبدال الكفاءات الوطنية بـ “كوادر تنظيمية”. تحولت الدولة الى شبكة علاقات معقدة تربط ضابط الأمن، برجل الأعمال الطفيلي، بشيخ القبيلة الموالي، بموظف البنك المركزي، بإمام المسجد. هؤلاء جميعاً لا يربطهم حب الوطن، بل تربطهم “المصلحة المشتركة” والخوف من المحاسبة.
الدولة العميقة هي “نظام موازي” ابتلع الدولة الرسمية، يمتلك المال، السلاح، الإعلام، والقدرة على إشعال الحروب متى ما أحس بالخطر.
كيف يتنفس الغول؟
كيف تحول “جهاز الدولة” إلى “عصابة” تدير الحرب وترفض السلام؟
سيطرت الدولة العميقة على مفاصل الاقتصاد عبر “الشركات الأمنية” و”منظومة الصناعات الدفاعية”. هذه الشركات معفية من الضرائب، لا تخضع للمراجعة، وتسيطر على تصدير الذهب، الوقود، والدقيق. إنهم يفتعلون الأزمات (خبز، وقود) لإسقاط أي حكومة مدنية، ويمولون الحرب الحالية من دم الشعب.
السيطرة الأمنية والمخابراتية. جهاز الأمن والمخابرات ليس لجمع المعلومات، بل هو “العقل المدبر”. يمتلك ملفات ابتزاز ضد الجميع، ويدير كتائب الظل، ويخترق الأحزاب السياسية والحركات المسلحة لزرع الفتن (فرق تسد). ولديهم القدرة على إفشال أي قرار إصلاحي. يمكن لوزير ثوري أن يصدر قراراً، لكن “وكيل الوزارة” (بأمر الدولة العميقة) يرميه في الدرج أو يعطله باللوائح والقوانين المفصلة لحمايتهم.
لماذا اختارت الدولة العميقة الحرب وانحازت للجيش؟ لأن السلام يعني الشفافية، والشفافية تعني الموت للدولة العميقة. الدولة العميقة تدفع الجيش لرفض وقف الحرب لأن أي عملية سياسية حقيقية ستتضمن بند “إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية”. هذا البند يعني تفكيك إمبراطوريتهم الاقتصادية، ومحاسبة مجرمي الحروب وقتلة المتظاهرين، وتطهير الجيش من العناصر المؤدلجة. هم لا يقاتلون من أجل “السيادة الوطنية”، بل يقاتلون لأن هزيمتهم تعني أنهم سيتحولون من “أسياد” إلى “مساجين”.
لذلك، قرارهم كان “عليّ وعلى أعدائي”، نحرق السودان بالكامل ولا نسلم مفاتيح الخزينة والسلطة.
الحلول التوفيقية مع الدولة العميقة هي انتحار. القضاء عليها هو الخيار الوحيد، لكنه يتطلب مشرطاً حاداً واستراتيجية من ثلاثة محاور:
- الحسم العسكري وكسر العظم لا يمكن التفاوض مع من يحمل السلاح لحماية فساده.
- التجفيف الاقتصادي خنق الأخطبوط ضرب مصادر تمويلهم.
- التفكيك الإداري التطهير الواجب هذا ما يتطلب “شجاعة الأشاوس” ووعي القوى المدنية.
الدولة العميقة في السودان ورم خبيث وصل مرحلة متأخرة. المسكنات لا تفيد، والمضادات الحيوية (التفاوض الناعم) لا تجدي. الحل الوحيد هو الجراحة والاستئصال، حتى لو كان الثمن نزيفاً مؤقتاً، فذلك أفضل من الموت البطيء بالسرطان. الحرب الحالية هي الفرصة التاريخية لدفن هذا الغول إلى الأبد تحت ركام الدولة القديمة



إرسال التعليق