إبراهيم مرسال : نهاية دولة ما بعد الاستعمار في السودان دولة 56 وبداية تشكل ملامح تأسيس دولة السودان الجديد . - صوت الوحدة

إبراهيم مرسال : نهاية دولة ما بعد الاستعمار في السودان دولة 56 وبداية تشكل ملامح تأسيس دولة السودان الجديد .

دولة ما بعد الاستعمار في السودان

اساس المشكلة والتوطئة الاساسية :
مقدمة :
يمكننا تبسيط تعريف المعرفة هي مجموعة مختلفة ومتصلة من العلوم والنظريات والسرديات تطورت وتجمعت عبر التاريخ وساهمت فيها كل البشرية من الإنسان الأول إلى لحظتنا هذه تساهم فيها بانتاج جديد متصل بالقديم التاريخي وتبلورت منتجات البشرية المعرفية في القرون الوسطى وتموقعت مكانياً في اوربا ثم تمرحلت حتى انتاج النظريات والسرديات الكبرى في اوربا وما تم إنتاجه وبلورته واختطافه من معرفة متراكمة عبر التاريخ في غرب الكرة الأرضية أوربا وامريكا من النظريات والسرديات الكبرى للاشتراكية والرأسمالية بمساهمة ومساعدة الكنيسة ومنتجات الحداثة وما بعد الحداثة وادواتها وعبرها استطاع الغرب فرض هيمنته الثقافية والاقتصادية والسياسية على العالم بأدوات استعمار الشعوب واخضاعها ونهب ثرواتها وقمع ثوراتها وتوجيهها برؤيته وروايته .

المؤسسات كأدوات هيمنة واخضاع :
ومن المعلوم الاستعمار الغربي لآسيا وأفريقيا وامريكا اللاتينية بنى مؤسسات استعمارية لإدارة شؤون المستعمرات واخضاع شعوبها بدئاً من الجيوش ومؤسسات الدولة المدنية ومناهج التعليم الاكاديمي ووسلاسله ومراحله ومؤسسات التعليم العالي لتقديم خدمات وواجبات وفقاً لشروض غربية مغتربة عن الواقع المحلي للشعوب التي تم استعمارها في قارات اسيا وأفريقيا وامريكا اللاتينية او ما يسمى بدول الجنوب لأغراض تغبيش وتوجيه الوعي الثقافي المحلي للاعجاب بالحضارة الغربية ومنتجاتها والاستفادة من ثرواتها ومواردها الخام .

النظرة العنصرية :
بعد استعمار اوربا لدول الجنوب ينظر شعوب اوربا بأنهم متفوقين عرقياً على الشعوب التي تم استعمارها واحتلال اراضيها ويرى العرق الأبيض السامي الأوربي في درجة أعلى واسمى انسانياً ولابد من اخضاع بقية الشعوب والسيطرة على مواردها البشرية كقوى عاملة كما حدث في ترحيل الأفارقة كرقيق إلى أميركا في بداية الغزو الأوربي الغربي واستخدامهم كعمال في وقت نمط الإنتاج الاقطاعي تحت الطبقة الارستقراطية الذين يعتقدون هم انهم النبلاء ويليهم طبقياً أبناء عرقهم الأبيض السامي من الطبقة الوسطى وحتى العمال بان الافارقة والهنود الحمر اقل درجة انسانية منهم وبل ذهب هيغل مسبقاً بوصف شعوب أفريقيا وآسيا قال ( عند الزنوج لم يتوصل الوعي ، وحتى الحدس ، إلى أي درجة من درجات الموضوعية .. وأضاف إن الزنجي هو الإنسان بوصفه وحشاً ) كما قال (لدي العرق الاسيوي ، يبدأ العقل في الاستيقاظ وتمييز نفسه عن الطبيعة لكن هذا التمييز ليس قاطعاً وليس مطلقاً… الخ ) .

بذلك رسم الاوربيين لأنفسهم وضعية تضعهم هم افضل ومتفوقين عرقياً وثقافياً وحضارياً على بقية شعوب العالم لذلك سعى الاستعمار عبر ادواته المؤسساتية إلى فرض اللغات الأوربية الانجليزية والفرنسية والاسبانية والبرتقالية كلغات رسمية لشعوب الأراضي المحتلة وتغييب واحتقار اللغات الام للشعوب في المستعمرات كتعالي ثقافي وثم نقل انماط إنتاج جديدة وسبل كسب عيش والفلوكلور الأوربي المعماري للشعوب المحتلة وحملات التبشير المسيحي والتنصير للشعوب في الدول المحتلة التي صاحبت الاستعمار وقتها تعبيراً عن التفوق الحضاري في جانبه الديني .

خروج المستعمر وبقاء وكلائه وادواته :
قضى المستعمر الأوربي في اسيا وأفريقيا وامريكا من مئة عام إلى مئتين عام وخلال هذه الفترة استطاع بأدواته المختلفة وخطته المحكمة ترك إرث استعماري كبير بدئاً من المؤسسات الاستعمارية المختلفة ووكلاء محليين كورثة شرعيين للاستعمار وادواته المختلفة بالرغم المقاومة الملحمية في ثورات التحرر ولكن تركته الاستعمارية لم تزول وظلت باقية كامتداد للنهج الاستعماري الاستعلائي والقهري والاستبدادي بالرغم ايضاً من محاولات الشعوب حتى بعد ثورات التحرر من الثوران مرات عديدة على ورثة الاستعمار ونموذج دولة ما بعد الاستعمار الا ان محاولاتهم تعيد إنتاج دولة ما بعد الاستعمار بشكلها الاستبدادي والمتعالي من داخل قوى الثورة نفسها ووببساطة يمكن القول بأن السبب هو ادوات ومؤسسات دولة ما بعد الاستعمار تعيد إنتاج عقلية متوارثة للنخب حتى لو تغيرت الحقبة لدولة ما بعد الاستعمار ونخب دولة ما بعد الاستعمار تربط بينهم في الأساس علاقة مصلحة اقتصادية واجتماعية وحتى عرقية وحضارية وثقافية قبل الايديولوجيا الفكرية و السياسية لذلك نعيد إنتاج نفس النموذج الاستبدادي لأننا داخل حقل ونسق دولة ما بعد الاستعمار نفسها وبنفس ادواتها المتوارثة .

ثورة 15 أبريل :-
نهاية دولة ما بعد الاستعمار 56 بداية تأسيس دولة السودان الجديد :

في الاجابة على سؤال هل ما حدث في 15 أبريل 2023 م ثورة ام حرب او انقلاب ؟؟ ..
ولفهم الإجابة على هذا السؤال لابد من قراءة ما سبق من توطئة أولية بتركيز وتمعن وافساح المجال للتفكير العميق والحر ما استصحاب الدلائل العملية والقرائن والشواهد والمراجع لما حدث للبشرية من فعل مركز الحضارة الأوربية من تشويه وتشويش بالغ لا يعالج أثره الا بثورة حقيقية بكامل معناها وتعريفاتها وشرعيتها فاخر تحديث لتعريف معنى الثورة هي التغيير الجذري في بنية المجتمع والدولة وهذا ما نعنيه في التالي.

ما حدث في ليلة 15 أبريل 2023م من حرب بدأت شرارتها باختلاف بين مكونيين عسكريين في السودان القوات المسلحة السودانية (الجيش) وقوات الدعم السريع بسبب خلافات في مواقيت دمج الثانية في الأولى وفقاً لاتفاق سياسي يسمى الاتفاق الاطارئ كأحد مراحل لاحقة لثورة ملونة تقاوم من فلول وبقايا النظام السابق لتغيير النظام الحاكم في السودان بدأت في ديسمبر 2018 م ، وانتهت بمواجهة عسكرية .

كما عرفنا الثورة بانها التغيير الجذري في بنية المجتمع والدولة وحرب 15 أبريل بدأت كحرب عادية بين طرفين عسكريين نظاميين للدولة الأول له تاريخ قديم وهو احد المؤسسات التي وضع نواتها الأولى المستعمر البريطاني في 1925م بإسم قوة دفاع السودان وبقيت هذه المؤسسة كما هي حتى اندلاع حرب 15 أبريل تغير فقط اسمها وتبدل ولكن بقيت فيها نفس الثقافة والعلاقات الاجتماعية والسياسية وطريقة التفكير التي تركها المستعمر كاحد ازرعه ادواته للهيمنة وهي الوكيلة ووريثته الشرعية لاخضاع الشعوب ما بعد خروجه الإسمي وبقاء وكيله الرسمي ووريثه الشرعي في السودان .

قوات الدعم السريع هي قوة نظامية تأتمر بأمر القوات المسلحة أنشأت في عام 2013م بنص القانون ولكن بعد 15 أبريل وصفها الجيش نفسه بأنها قوة تتبع للدولة وتمردت عليه وتريد القيام بأنقلاب وهذا تعريف وفرضية ورواية الجانب الاخر من الحرب وهي القوات المسلحة السودانية (الجيش) عن قوات الدعم السريع .

اما عن رواية وفرضية قوات الدعم السريع في ليلة 15 أبريل عن الحرب فهي تقول بأن الاسلاميين الذين يسيطرون على الجيش وقيادته هجموا عليهم وشنو حرب ضدهم بسبب دفاع قوات الدعم السريع عن الاتفاق الاطاري والذي بنظرتهم يقود البلاد الى تحول مدني ديمقراطي وينزع الاسلاميين وفلول النظام السابق من الحكم والجيش وأنهم يقاتلون من أجل الديمقراطية .

يمكننا إجراء مقارنة او ان شئنا قلنا مقاربة او مفارقة بين الروايتين في الحرب وما نتوصل اليه نتيجة مفادها بأن ما حدث في ليلة 15 أبريل ليس انقلاب كما سماه الجيش ولا هي حرب كما في رواية الدعم السريع بل هي ثورة جذرية حقيقة بدون املاءات ولا تغبيش وتدليس للحقائق بل بواقع تجسيد النظرية والتحولات الطبيعية .. كيف ؟؟؟

كما اسلفنا فإن الجيش هو مؤسسة ما بعد استعمارية بناها واسسها المستعمر للأغراض المذكورة سابقاً المنتمين والذين يمكنهم الالتحاق بهذه المؤسسة تاريخياً منذ عهدها الأول مرتبطين بالدولة كنخب اجتماعية وسياسية واقتصادية (العسكرتارية) تربطهم علاقات اجتماعية (نسب وتصاهر) وشراكات اقتصادية وسكن وحتى نمط غذائية وحياتية يومية روتينية مع نخب سياسي حزبية حاكمة او معارضة طيلة فترة قيام الدولة في العهدين الكولونيالي وما بعد الكلونيالي كمجتمع تعاقب في السودان .

اما الدعم السريع من أعلى هرم قيادته إلى ادنى مستوى فيه الجندي من حقل اجتماعي وثقافي واقتصادي خارج النسق والحقل المعتمد والمرتبط مصلحياً على مؤسسات الدولة في نمط حياته فتجد تاريخ المنتمين إلى الدعم السريع حديث مع الدولة فهو بدأ في 2013 م ولم يكن من مؤسسات الحقبة الاستعمارية ولا الما بعد استعمارية ولا يستخدم الأفراد الدولة كغنيمة او سبيل لكسب العيش ويعتبر المنتمين إلى الدعم السريع طارئون على مؤسسات الدولة وعلاقاتها التاريخية فعندما نعود الى الوراء نجد بأن الدعم السريع بالرغم انه مؤسسة دولة انشأها الاسلاميين فإنه وجد رفض من الحقب المتوارثة للدولة منذ العهد الاستعماري ومنذ نشأته لأسباب بأنهم دخيلين على النظام الما بعد استعماري النخبوي المتوارث فنذكر تماماً رفض الصادق المهدي امام الأنصار وزعيم حزب الأمة ومعارضته للبشير بأنه كون قوات الدعم السريع ببساطة يمكن تفسير ذلك وارجاعه لنفس السبب المعروف ولو كانت قوات الدعم السريع مكونة من الحقل الاجتماعي والثقافي وحتى الحضاري المتوارث من الاستعمار فهل سيرفض الصادق المهدي تشكيل هذه القوات .

لنعود للإجابة على السؤال المحوري في الاجابة عليه بأن المقاربة والمقارنة بين المؤسستين تتلخص بأن الجيش يتبع لقوى الدولة القديمة ويدافع عن مصلحة المنتفعين منها تاريخياً من دوائر اجتماعية واقتصادية وسياسية منذ العهد الاستعماري وان الدعم السريع قوة يتبع للسودان الجديد وجدانياً واجتماعياً وسياسياً ويدافع عن المجتمعات المبعدة تاريخياً قسراً من دوائر دولة ما بعد الاستعمار وادواتها وبكل فخر نحن في تيار الوحدة الوطنية نقول بأن ما حدث في ليلة 15 أبريل هي ثورة اجتماعية مكتملة الأركان لاقتلاع دولة 56 دولة ما بعد الاستعمار وانحازت لقوات الدعم السريع ما يسمى بقوى الهامش وفقاً لما يقول مؤمنيين نظرية التحليل الثقافي بان الحرب تشكلت فيها الكتلة التاريخية للقوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الغير راضعة من ثدي الدولة ولم تجد منها الا عنفها قوى البادية الرعوية والريف الزراعي او بلغة مدرسة اخرى قوى الريف ثارت على قوى المدينة وايضاً لابد من ان تتكامل بالتحاق جزء مقرب من قوى دولة ما بعد الاستعمار إلى هذه الثورة الإجتماعية وتكتمل فيها الربط بين أركان نظرية دراسات ما بعد الاستعمار وتأسيس دولة وطنية حديثة بمنظور وطني وحدوي عادل يكيف فيه كل منتجات البشرية من المعرفة بمنظور واقعنا المحلي .

إرسال التعليق

لقد فاتك