احمد موسى : جنوب كردفان/جبال النوبة بين وعي الضحية و خيانة النخب - صوت الوحدة

احمد موسى : جنوب كردفان/جبال النوبة بين وعي الضحية و خيانة النخب

ما يحدث اليوم في جنوب كردفان/جبال النوبة ليس حربًا من أجل الكرامة، ولا دفاعًا عن الأرض، بل هو إعادة إنتاج فجّة لجريمة سياسية قديمة: استخدام أبناء الإقليم وقودًا لمشروع المركز، تحت لافتة الجيش، وبقيادة عبد الفتاح البرهان، وبتخطيط مباشر من الحركة الإسلامية التي لم ترتوِ من الدم، ولم تتعلّم من الخراب.

الواقع العاري من التجميل يقول إنّ العدد الأكبر من حملة السلاح والمستنفرين في حاميتي كادقلي والدلنج هم من أبناء الإقليم أنفسهم: النوبة، الحوازمة، المسيرية، كنانة، والكواهلة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بلا مواربة: لمصلحة من تقاتلون؟

وهل تغيّر حال جنوب كردفان يومًا حينما كان أبناؤه حرّاسًا لحاميات المركز؟

التاريخ يجيب بلا رحمة ولا مجاملة:
في كل مرة انحاز فيها أبناء الإقليم لمشاريع السلطة في الخرطوم، كانت الحصيلة واحدة: مزيد من التهميش، مزيد من الفقر، ومزيد من الدم. لا مدارس بُنيت، لا مستشفيات أُنشئت،
ولا طرق عُبّدت.

فما الذي تغيّر اليوم حتى نُعيد ارتكاب الخطأ نفسه؟
إنّ الدفاع عن هذه الحاميات ليس دفاعًا عن كادقلي ولا عن الدلنج، بل هو حماية مباشرة لنشاط الاستخبارات العسكرية التي تدير الصراع بوعي كامل، وتغذّي سياسة زرع الفتنة بين المكونات الاجتماعية، ليقتل أبناء الإقليم بعضهم بعضًا، بينما تبقى نخب المركز في مأمن، تراقب وتستثمر في الدم. هذه هي سياسة «فرّق تسد» في أكثر صورها وقاحة وانحطاطًا:

سلّح القبيلة ضد القبيلة،
أشعل الخوف،
ثم قدّم نفسك كمنقذ.

أما القيادات المحلية التي اصطفّت مع هذا المشروع، فهي إما مضلَّلة أو متواطئة، ولا عذر سياسي ولا أخلاقي يبرر هذا الاصطفاف. إنهم يدافعون عن سلطة ثبت فشلها، وسقط قناعها، ولم يتبقَّ لها سوى لغة السلاح. وهم يعلمون، قبل غيرهم، أنّ الحركة الإسلامية حكمت هذا الإقليم من قبل، وكانت نتيجتها الحرب، الإقصاء، والإفقار الممنهج، ومع ذلك يعودون اليوم لتسويقها كخيار وحيد، في خيانة صريحة لمصالح إنسان جنوب كردفان.

إنّ مشروع حكومة التأسيس، رغم كل ما يُثار حوله، يمثّل المخرج الحقيقي لأزمات الإقليم بتعقيداتها وتبايناتها. فهو يطرح، لأول مرة بوضوح، مسارًا قائمًا على المواطنة المتساوية، لا على العرق، ولا القبيلة، ولا الولاء العسكري. مشروع يعيد تعريف الدولة بوصفها كيانًا في خدمة الإنسان، لا آلة لقمعه.

وهذا تحديدًا ما تخشاه الحركة الإسلامية وحلفاؤها، لأن قيام دولة المواطنة يعني نهاية الامتيازات، ونهاية الإفلات من العقاب.
المأساة الحقيقية ليست في الحرب وحدها، بل في استمرار خداع الضحية لنفسها. أن يدافع إنسان جنوب كردفان عن حامية عسكرية لم تكن يومًا ضمن أولويات المركز، بينما تُدمَّر قراه وتُنهب موارده، هو شكل صارخ من الوعي الزائف الذي يجب كسره دون تردّد.

لقد آن الأوان لقول الحقيقة بلا تجميل:

من يطلب منكم القتال اليوم لا يريد حماية الإقليم، بل يريد إطالة عمر مشروعه المنهار. ومن يصمت على ذلك، بالصمت أو بالفعل، شريك في جريمة مستمرة.

جنوب كردفان/جبال النوبة لا يحتاج إلى مزيد من البنادق،
بل إلى موقف سياسي شجاع يضع حدًا لاستغلال الإنسان، ويقطع الطريق أمام إعادة تدوير الخراب. ومن يقف اليوم في الصف الخطأ، سيدفع ثمنه غدًا… سياسيًا وأخلاقيًا.

إرسال التعليق

لقد فاتك