عزيز الدودو : لعبة الموانئ الكبرى: هل تكسر إثيوبيا "عزلتها الجغرافية" عبر بوابة صوماليلاند؟ - صوت الوحدة

عزيز الدودو : لعبة الموانئ الكبرى: هل تكسر إثيوبيا “عزلتها الجغرافية” عبر بوابة صوماليلاند؟

تشهد منطقة البحر الأحمر منذ سنوات توترًا متصاعدًا يُنبئ بتحولات جيوسياسية كبيرة. هذا الممر المائي الحيوي “مضيق باب المندب” الذي تمر عبره حوالي ٣٠٪ من التجارة العالمية، لم يعد مجرد طريق للتجارة، بل تحول إلى ساحة تنافس خفية بين قوى دولية وإقليمية تسعى جميعًا إلى ترسيخ وجودها وحماية مصالحها.

وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز التنافس التاريخي والاستراتيجي بين مصر وإثيوبيا، وهو تنافس يمتد جذوره من نهر النيل إلى شواطئ البحر الأحمر. فبينما تركز مصر جهودها الدبلوماسية والعسكرية على حماية أمنها القومي المتمثل في مياه النيل عبر معارضتها لمشروع سد النهضة الإثيوبي، تتطلع إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي تفتقر إلى منفذ بحري، بشغف نحو البحر.

هنا يأتي دور “أرض الصومال” (صوماليلاند) كورقة جديدة في هذه المعادلة المضطربة. هذا الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام ١٩٩١ لم تحظَ قضيته بأي اعتراف دولي أو حتى أفريقي رسمي، خوفًا من تأثير “عدوى التقسيم” في قارة تعاني من هشاشة الحدود والصراعات الداخلية. لكن إثيوبيا، سعت دائمًا للاستفادة من ميناء بربرة الاستراتيجي التابع للإقليم، لتحقيق حلمها بالوصول إلى البحر الأحمر.

واجهت أديس أبابا في السابق عقبة كبرى تمثلت في الموقف المصري الحاسم الداعم لحكومة الصومال الاتحادية، والذي بلغ ذروته باتفاقية دفاع مشترك بين مصر والصومال جعلت إثيوبيا تتراجع. لكن المشهد قد يشهد تحولاً جذريًا بعد الاعتراف الإسرائيلي المثير للجدل باستقلال “أرض الصومال”. هذا القرار ليس مجرد تحول في السياسة الإقليمية لإسرائيل، المرتبطة بأمن البحر الأحمر أيضًا، بل هو بمثابة فتح للبوابة أمام دول أخرى، وعلى رأسها إثيوبيا، لتعزيز علاقاتها مع الإقليم الانفصالي.

بالنسبة لإثيوبيا، يعد هذا الاعتراف فرصة ذهبية قد تمكنها أخيرًا من الحصول على حقوق عسكرية أو تجارية في ميناء بربرة، أو حتى إنشاء رصيف بحري خاص بها. وهو إنجاز ستعتبره نصرًا مزدوجًا: أولاً، تعزيز موقعها في ملف سد النهضة بعد ما يُنظر إليه على أنها نجحت في فرض أمر واقع في مياه النيل. وثانيًا، تحقيق حلم الوصول إلى البحر، متجاوزة بذلك التنافس المصري والنفوذ التقليدي للقاهرة في المنطقة.

من وجهة النظر المصرية، فإن هذا التطور يمثل تهديدًا مباشرًا ومزدوجًا. فهو ليس مجرد اختراق إثيوبي للبحر الأحمر قد يؤثر على الأمن البحري ويهدد المصالح التجارية لمصر التي ترتبط بقناة السويس، بل هو أيضًا استكمال لسياسة إثيوبية تعتبرها مصر عدائية، تهدف إلى تطويق النفوذ المصري من الجنوب عبر النيل، والآن من الشرق عبر البحر الأحمر.

باختصار، لم يعد الصراع المصري الإثيوبي محصورًا في أحواض نهر النيل، بل امتدت جبهته إلى مياه البحر الأحمر الأكثر اضطرابًا. الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال قد يكون الشرارة التي تعيد رسم تحالفات المنطقة، وتدفع بالتنافس بين القوتين الأفريقيتين إلى مرحلة جديدة أكثر خطورة، حيث يصبح البحر الأحمر حلبة أخرى للمواجهة، في مشهد يعكس كيف تختلط المصالح المحلية بالإقليمية والدولية في بوتقة واحدة، قد يغلي محتواها في أي لحظة.

إرسال التعليق

لقد فاتك