عزيز الدودو : إزدواجية الخطاب والواقع: مثلث حلايب واختبار “الخطوط الحمراء”
في عالم السياسة والدبلوماسية، تُعدّ الاتساقية والمبادئ الراسخة أساسًا للثقة بين الدول. لكن هذا الأساس يتصدع عندما تُرفع شعارات تبدو نبيلة، بينما تتعارض الممارسات على الأرض معها تناقضًا صارخًا. هذه الازدواجية هي ما تطبع، للأسف، تعامل النظام المصري الحالي مع ملف السودان.
تتصدر مصر المشهد الإقليمي بتصريحات مؤكدة دعمها “لوحدة السودان وسلامة أراضيه”، واصفة إياها بـ “الخط الأحمر”. خطاب يبدو وديًا وأخويًا، ويُطرح في المحافل الإقليمية والدولية. ولكن، ما قيمة هذا الخطاب إذا كانت السياسات الفعلية تدوس بقدمها نفس هذا “الخط الأحمر” الذي تدّعي الدفاع عنه؟
المعضلة تكمن في ملف مثلث حلايب وشلاتين، تلك البقعة الجغرافية التي تديرها مصر عسكريًا وإداريًا منذ عقود، وتعتبرها ضمن نطاق سيادتها، في حين تؤكد الوثائق تاريخيًا وقانونيًا أنها أرض سودانية. هنا يظهر التناقض بوضوح: كيف يمكن لمصر أن تعلن أن وحدة أراضي السودان خط أحمر، وهي تحتل جزءًا من هذه الأراضي؟ أليس هذا انزياحًا على خط أحمر سوداني طالما نُظر إليه باستحقار وتم تجاهله؟
هذه الازدواجية لا تُضعف موقف مصر الأخلاقي فحسب، بل تُغذي مشاعر الاستياء والإحباط لدى الشعب السوداني. فهو يرى جارته الكبرى تتحدث بلغة الأخوّة والدعم بينما تمسك بيدها أراضٍ يعتبرها السودانيون جزءًا لا يتجزأ من ترابه الوطني. إنه تناقض يذكرنا بمقولة “افعل ما أقول، لا ما أفعل”، والتي لا تليق بعلاقات تاريخية وثيقة كتلك التي تجمع بين البلدين.
لطالما كانت رسالة الشعوب المتجاورة واضحة: الاحترام المتبادل هو أساس أي شراكة حقيقية. والاحترام يبدأ بالاعتراف بحقوق الجوار، والتخلي عن سياسة الأمر الواقع في التعامل مع الخلافات الحدودية. الدعوة هنا ليست للتشنج، بل للاتساق والندية.
لكي تكتسب الدعوات المصرية إلى وحدة السودان واستقراره مصداقيتها، عليها أولاً أن تتصالح مع مضمونها. الخطوة الأولى نحو مصداقية أي خط أحمر تعلنه القاهرة تبدأ من مدينة حلايب. إما أن يكون دعم وحدة الأراضي السودانية مبدأً صادقًا يدفع نحو حل تفاوضي عادل لهذا الملف العالق، أو سيظل مجرد شعار أجوف يستخدم وفقًا للظرف السياسي، مما يزيد الشقة ويعمق جراح الماضي.
العلاقات المصرية السودانية أعمق من أن تُفسد بسياسات قصيرة النظر. تصحيح هذه الازدواجية ليس تنازلاً، بل هو إعادة للثقة وبناء لشراكة حقيقية تقوم على الاحترام الواضح للحدود والحقوق، وليس على الخطابات المزدوجة التي يراها الجميع ولا يصدقها أحد.



إرسال التعليق