عزيز الدودو : تغلغل الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على استيلاء تنظيم الإخوان المسلمين على السلطة في السودان عام 1989، لم يعد إنكار تغلغلهم في مفاصل الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، مجدياً. فالحرب الدائرة منذ أشهر لم تترك مجالاً للشك في أن “الكيزان” قد أخرجوا الجيش عن مساره الوطني، ليصبح أداة طيعة في مشروعهم الأيديولوجي، وهو ما تجلى بشكل صارخ في الانهيار الكارثي لأدائه وفي الفوضى العارمة التي تطال خطابه الرسمي.
لقد اتبع التنظيم منذ تسلمه الحكم مسارين متوازيين لضمان ولاء المؤسسة العسكرية، تمثلا في تطبيق سياسة “تمكين” واسعة شملت إحالة آلاف الضباط من غير الموالين للتقاعد، واستبدالهم بضباط ينتمون للتنظيم أو يوالونه، وإخضاع صغار الضباط لبرامج ممنهجة لتعزيز الولاء الأيديولوجي على حساب الانضباط العسكري والكفاءة القتالية. كما عمل التنظيم على صناعة ميليشيات مسلحة موازية مثل “الدفاع الشعبي” و”قوات حرس الحدود ” في البداية، لتكون حائط صد أمام أي محاولة انقلابية محتملة من الجيش النظامي، مما أخل بالهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية وأضعف قدراتها. وقد أدت هذه السياسات إلى تشويهات عميقة في عقيدة الجيش، حيث تمت صياغة عقيدته القتالية تحت رايات دينية وجهادية، لتصبح الانتماءات الأيديولوجية والسياسية هي الفيصل في الترقيات والقرارات، متغولة على قيم الانضباط والاحتراف العسكري التي طالما كانت أساس أي جيش نظامي.
ولعل العلامة الأبرز على هذا الانهيار ليست الهزائم الميدانية فقط، بل ذلك التضارب والارتباك الشديد في الخطاب الرسمي، والذي يكشف عن حقيقة تعدد مراكز القوى داخل الدولة. فما يصرح به الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تقوم وزارة الخارجية بنقضه فعلياً، وما يعد به البرهان، يخرج المتحدث العسكري، اللواء عامر محمد الحسن العطا، ليقول عكسه. هذا الهرج والمرج وغياب المتحدث الرسمي الموحد، ليس سوى انعكاساً لحقيقة أن القرار لم يعد في يد القيادة العسكرية، بل تسيره كتائب التنظيم الإخواني وعقليته التي ترفض أي حلول سياسية. لقد أصبح من الواضح أن هناك من يدير للجيش إعلامه عبر “لايفاتية” وقناة طيبة الكيزانية”، مما يؤكد أن الدولة يديرها رأسان وليس طرفاً واحداً متماسكاً.
إن استمرار الحرب لأكثر من عامين ونصف، ورفض الجيش المتكرر للمبادرات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار، هو الدليل الحي على من يمسك بخيوط القرار الحقيقي. ففي الوقت الذي يرفع فيه طرف النزاع الآخر، ولو بالشعارات السلام ويخاطب المجتمع الدولي بلغة المشاريع السياسية، نجد الخطاب الرسمي للجيش غارقاً في الفوضى، عاجزاً عن تقديم رؤية واضحة أو بيان عقلاني يوضح الموقف والاتجاه. هذا التناقض الهائل ليس صدفة، بل هو نتيجة حتمية لتحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى “مليشيا عقائدية تأتمر بأمر جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية “،، تتحكم في قراره “مجموعة من القونات والفنانات والعواطلية والمساطيل”.
في الختام، لم يعد إنكار حقيقة سيطرة الإخوان على الجيش مجدياً. لقد حول التنظيم الجيش السوداني من مؤسسة وطنية تحمي سيادة البلاد إلى أداة في صراعه الأيديولوجي، مسحاً كرامتها بالأرض. إن معالجة هذه التشوهات العميقة تستلزم أكثر من مجرد تغييرات تكتيكية؛ فهي تحتاج إلى عملية تطهير جذرية وإعادة صياغة للعقيدة العسكرية على الاحتراف والانضباط والولاء للوطن وحده، بعيداً عن الانتماءات الحزبية والتنظيمية الضيقة.



إرسال التعليق